#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: … وفي أربعين ريشار استشهد طوني!!

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1450:

لو قُدر للمسيحيين في لبنان أن يعيشوا النضال الذي مارسوه، وخصوصاً منذ منتصف السبعينات حتى اليوم، لكان المسيحيون الآن أنصاف آلهة في نظر الأمّة والشعب والتاريخ. لكن نحن هنا في لبنان، حيث يدعس الحاضر وبعنف موصوف على الماضي، ليطمر التاريخ الحقيقي خصوصا لهؤلاء الذين ناضلوا واستشهدوا وعاشوا، تحت شعار المقاومة المسيحية.

ذهب الأهل لإقامة جناز الأربعين لريشار ولما عادوا الى البيت… ذهبوا لإقامة مراسم الدفن لأخيه طوني

 

هي إذاً حكاية شهيدين في بيت واحد، ريشار وطوني صليبا. الأول بعمر السابعة عشرة والثاني يكبره بعام. كان ذاك العام، 1976، المناطق الشرقية آنذاك تشهد أقسى المعارك قبل تحريرها من المسلحين الفلسطينيين، الذين كانوا يتغلغلون في المخيمات، قبل المعركة الأخيرة وتحرير تل الزعتر.

كان الأخوان ذهبا الى جبهة الشمال في شكا، فاستدعتهما القيادة للعودة الى بيروت، كانت أيام ذاك المناضل العتيق، وليم حاوي. وبدأت سلسلة السقوط تتوالى بدءًا من مخيم الكرنتينا، وصولاً الى مخيم جسر الباشا، وبدأت المباني تتهاوى تباعاً والحصار يشتد حول المسلحين. كل من الشقيقين كان الى جبهة، ريشار في تل الزعتر، وطوني يتنقل من جبهة الى أخرى بحسب ما تأمره القيادة.

تل الزعتر كان على مشارف التحرير، كلما انهار مبنى أو مخبأ أو متراس للمسلحين، يهرع ريشار مع رفاقه ليغرز علم لبنان مكانها، من دون خوف ولا تردد، لم يكن ينظر الى الوراء، يحمل العلم ويضحك ضحكته العالية تلك الشهيرة، يغرز العلم، يرفع البندقية ويديه عالياً وينده “لمجد إسمك يا يسوع”. كان ذلك في التاسع والعشرين من حزيران العام 76  أي قبل أقل من شهر على آخر معركة تحرير في تل الزعتر، حيث استشهد وليم حاوي أيضاً، غرز العلم بقوة في الأرض المحررة، ولما استدار كانت غدرته رصاصة واستقرت في القلب الكبير للشاب الذي عاش عمره أضعافا قبل أن يبلغ العشرين.

في هذا الوقت أكمل طوني الدرب مع والدته. لم نروِ بعد حكاية تلك السيدة، نهاد صليبا، تلك المناضلة القوية التي نقلت العدوى الى الأبناء.

كان البيت الشتوي في عين الرمانة، والصيفي في كفردبيان هربا من نار الجبهات. كانت الست نهاد على تواصل يومي مع الشيخ بشير، تدور من بيت الى بيت تطلب المال لأجل الشباب، وتشتري لهم السلاح والمؤونة للجبهات. بيت آل صليبا كان كما غالبية بيوت مقاومي ذاك الوقت، ثكنة تأوي وتلمّ المقاتلين، يرتاحون فيها، يأكلون، يستحمّون، يتبادلون المناوبات، ويعودون الى الجبهات، كل أم في تلك البيوت كانت أما للجميع، وكل شاب كان ابنا لكل الأمهات.

 

عندما يتعب الشباب أو تتراجع معنوياتهم لسبب أو لآخر، تتصل الست نهاد بالشيخ بشير وتطلب حضوره الفوري: “بتموني يا ست أنا جايي” ويأتي البشير ويجول بينهم ويبث فيهم تلك الروح، تلك الثورة التي لم تخمد حتى الآن. هي أول من اشترت لابنيها السلاح “جفت من طراز قديم كانت هدية الوالدة لطوني وريشار” يقول الأخ الأصغر جو. “كانت مؤمنة بشكل غريب بالقضية ورفضت كل المناصب لتكرّس وقتها لعملها الميداني وخدمة الشباب وأهاليهم كمان”.

استشهد الأول إذاً، فعادت أم الشهيد مثخنة بالجراح، ولكنها أكملت عملها النضالي لأجل شهيدها، ولأجل كل الأمهات وأبنائهن الشهداء والأحياء. لم تتراجع كما ظن كثر. مرّ أربعون يوما، حان وقت قداس الأربعين على نيّة ريشار، زحفت عين الرمانة وكل الجوار الى كفردبيان لإحياء ذكرى من لا يُنتسى إلاّ طوني، كان مزروعا عند جبهة عزّ ما في عين الرمانة، رفض إخلاء المكان، وقرّر أنه سيصلّي لأخيه لوحده، وأنه عندما يحمل البارودة ويقاوم الاحتلال فهذه صلاة ترضي ريشار. كان فقد نصفه الآخر، وعلى رغم ألمه الشديد كان يكابر كي لا يقال إن المقاوم يحزن أو يدمع. انتهى الجناز، في البيت كان شباب آخرون في انتظار الأم والأب لنقل خبر آخر لم يعرفوا كيف ينقلونه: استشهد طوني برصاص قناص…

كان من المفروض أن يتخصص ريشار في الطب، ولم يذهب الى الجامعة يوما، وكان من المفروض أن يكون طوني طيارا، ولم يأخذ درس طيران واحد، رفضا السفر الى فرنسا للتخصص، وأقفلا على أبواب الجامعات ليفتحا لهما في الجبهات حكاية تشبه الالياذة.

جُنّ الحزن في المكان، على الجبهة بين الرفاق وفي البيت الكبير، لم يتوقع أحد أن يكون ذاك الثامن من آب 1976، يوماً لرحيل ثان “بذكر إنو الكلب يللي ربي مع ريشار وطوني صار يصرخ بشكل غريب يوم مات ريشار وبقي حزين وساكت كل هالفترة بعد موتو وبس مات طوني رجع وصرخ ذات الصرخة ونزلوا دموعو شي ما بيتصدق” يقول جو الأخ  الرابع في العيلة المكوّنة من أربع بنات وأربعة شباب.

… وعادت أم الشهيدين الى عين الرمانة، عادت الى النضال، لم تتوقف، عادت لتجعل من البيت ثكنة، ومن الجبهة بيتا، ومن الاستشهاد درساً لا ينتسى في مقاومة حزن، لا يمكن لأم أن تقاومه في العادة، أطلقوا عليها إسم “الجبل” لكن الجبل إياه كان يتآكل من الداخل، ولم تشأ أن تنقل عدوى الحزن هذه المرة الى البيت والمقاومين الرفاق. صمدت على قدر صمود الجبهات في ذاك الوقت، أصيبت برصاصتين بفارق أربعين يومًا في العام 1976 واستشهدت في العام 2000 بذاك المرض لكنها بقيت الأم الجبل التي زرعت ذاك العنفوان المخيف في روح أبنائها، وإن كانوا دفعوا الثمن من دمائهم لتبقى جبهة صامدة، وليُغرز علم فوق تراب ما، كلّه ترابنا وإن كان استحال مرات ومرات تراب الآخرين يدوسونه حين يتراءى لهم أن الأرض خلت من الشجعان.

هكذا روينا تراب هذه الأرض، روينا التراب ولا نروي شعراً. هذا ما حصل وهذا ما يحصل مذذاك التاريخ حتى اليوم. لمن لا يحب أن يتذكّر، ولمن يريد أن يطمر تاريخ وحكاية مقاومين حقيقيين نحن الآن نكتب ونحكي ونعيش فصول الحرية، لأنهم عبروا قبلنا وصاروا هم هم قلبنا… ثلاثة شهداء في بيت واحد.

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل