
ليس صحيحاً ان الجنرال ميشال عون هو الذي حوّل شريحةً مُعيّنة من المجتمع المسيحي، والمعروفة بـ”التيار العوني”، الى ما هي عليه اليوم.
والصحيح، ان التيار العوني هو هكذا اصلاً، ولأنه كذلك، فلقد وجد في الجنرال ضالتّه، وصار الإثنان بمثابة “طنجرة ولقيت غطاها”.
فلو لم يكن ميشال عون هو ميشال عون الذي نعرفه، لأوجدت الجماعة العونية ميشال عونٍ ما، ونصبّته زعيماً عليها.
قبل ولادة ميشال عون بعشرات ومئات السنوات، كان مسيحيون يُقاتلون ويُناضلون ويحامون عن الكرامة والحرية، فيما مسيحيون آخرين يبيعون ويشترون، يُساومون على المبادئ وينشدون العيش في كنف الذمّية.
قبل ولادة ميشال عون بعشرات السنوات، كان مسيحيون يُستشهدون على مذبح الحق والحرية والإنسان، فيما مسيحيون آخرون يتآمرون على اخوتهم في الدين.
هذا ما دونّه التاريخ في العشرات من محطّاته المفصلية، وهذا ما يُعبّر عن نفسه اليوم من خلال انقسام المسيحيين الى فئتين اساسيتين: قواتيون وعونيون.
الإختلاف الجذري بين عقلية وروحية هذه الجماعة المسيحية او تلك، قد لا تكون مسألةً بالبساطة او السذاجة التي يتصورّها البعض.
بعض الباحثين في علم الإجتماع السياسي ذهبوا الى القول إن المنابع الثقافية والتاريخية للمجتمع المسيحي في لبنان ليست واحدة بالأساس، مُدللين على ذلك بالحديث عن ان جماعاتٍ كثيرة اعتنقت المارونية والمسيحية في عصورٍ متأخرة، ولكنها احتفظت ببعض موروثاتها وثقافتها ووجدانها الجماعي قبل ان تنصهر بمجتمع الجبل المسيحي.
فقبائل التركمان التي استوطنت “الأذواق” في كسروان طيلة القرنين الرابع عشر والخامس عشر، ولم نعد نعثر على اي اثرٍ لها اليوم، لا شك بأنها تحولّت الى المذاهب المسيحية وانصهرت بالمجتمع المسيحي في الجبل وكسروان.
والعائلات الشيعية والسنية والدرزية الكثيرة التي تحولّت الى المسيحية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لأسبابٍ مختلفة، صارت اليوم جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المسيحي في لبنان… والأمثلة الشبيهة لا تُعّد ولا تُحصى.
ولكنّ سؤالاً جوهرياً يطرح نفسه: ما الذي يجمع التركماني الُمتحوّل الى المارونية في القرن السادس عشر مثلاً، بالماروني المتجذّر في الجبل منذ الأجيال الأولى، والذي ورث روح النضال والمقاومة اباّ عن جد، وقاتل الحملات التركمانية في حوقا مع البطريرك دانيال الحدشيتي؟
وما هو القاسم الثقافي التراكمي المشترك بين جماعةٍ اعتنقت المارونية طمعاً بالجاه والسلطة في القرن التاسع عشر عندما كان الموارنة في اوجّ قوتهم ورخائهم، وبين جماعةٍ مارونية قاست القهر والمعاناة والإضطهاد مع جبرائيل حجولا، في الجبّة وميفوق ويانوح، عندما كان الموارنة حفنة رهبانٍ ومزارعين وقديسّين؟…
نحن هنا إذاً نتحدّث عن منابع ثقافية متعددّة انعكست بدورها تأثيراً مباشراً ومختلفاً على طبيعة افراد المجتمع المسيحي وتركيبتهم النفسية.
الجماعة الدرزية اقفلت باب الدعوة على نفسها اعتباراً من القرن الحادي عشر، ما خلا بعض الإستثناءات المحدودة، والجماعة الشيعية لم تشهد بدورها موجات تشيّع ملموسة اقلّه منذ اندثار الخلافة الفاطمية الشيعية في القرن الحادي عشر. امّا المسيحيون اللبنانيون فلقد شهد تاريخهم موجات انخراطٍ جماعية في المذاهب المسيحية والهوية اللبنانية حتى القرن العشرين، وهذا ما يُفسّر وحدة الشعور والوجدان التاريخي للجماعتين الشيعية والدرزية، في مقابل تبعثر هذا الوجدان لدى الجماعة المسيحية.
لمحة سريعة على التركيبة النفسية للتيار العوني، منذ العام 1989 وحتى اليوم، تُظهر انه تيارٌ لا يمت الى روح المقاومة المسيحية الأصيلة بأي صلة، وهو اقرب الى الروح الذميّة، كما يضم جماعةً لم تتردد بتدنيس مقر بطريركية لبنان والشرق، والإعتداء الجسدي المشين على خليفة القائد الأول للموارنة يوحنا مارون وخليفة البطاركة التاريخيين الذين اعطوا للموارنة مجد لبنان والشرق.
البدعة العونية التي اعتدت على بكركي في العام 1989 لا شك بأنها لم تتشارك في وجدانها التاريخي الجماعي مع المسيحيين الآخرين، إلاّ في عصورٍ متأخرة، وبالتالي فهي لا تختزن في هذا الوجدان سوى صوراً مُجتزأة مُشوشّة مُفككّة، تنظر الى صورة بطريرك الموارنة كما نظرت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر الى رجال الدين، لا كما ارتسمت في اذهان الموارنة التاريخيين: بطريركاً قائداً، وراهباً ناسكاً وقديسّاً مُنزهاً.
كلامنا هذا لا يعني، بأن الفرد العوني هو بالضرورة سليل قبيلةٍ تركمانيةٍ ما استوطنت ساحل كسروان قبل 6 قرون مثلاً، ولا بأنه وريث نوح البقوفاني او الحبيس اليشاع او غيرهم من الخونة والمندسيّن، ولا يعني كذلك بأن الفرد القواتي هو بالضرورة حفيد بنيامين او يوسف الشنتيري او “ابو سمرا غانم” او غيرهم من الأبطال والمقدّمين، وإنما يؤشّر الى وجود اكثر من منبعٍ ثقافي واحد واكثر من وجدانٍ جماعي واحد يتحكّم بطبيعة وتفكير الأفراد والجماعات داخل المجتمع المسيحي.
يقول المستشرق النمساوي المونسينيور ميسلين في كتابه “الأماكن المقدّسة”: “إنه الأسهل على الأعداء ايّاً كانوا، أن يُزعزعوا جبال لبنان من اساسها، من أن يُضعفوا الإيمان في قلوب اصحابه الموارنة”. كان ذلك في القرن التاسع عشر…
ولكن الخوف كل الخوف ان يكون الحديث عن “تكامل وجودي” بين التيار العوني وحزب الثورة الخمينية في القرن العشرين، هو بداية انسلاخ التيار العوني عن الوجدان المسيحي الذي يتشارك المسيحيون به اقلّه منذ القرن التاسع عشر، وعودته، في اللاوعي العوني، الى جذوره غير المسيحية…
والخوف ان تكون فرق الدعوة الشيعية التي اشتهرت بدهائها عبر التاريخ قد نجحت بإضعاف إيمان بعض “المسيحيين المُندسّين” مُقدّمةً لانخراط هؤلاء في موجة التشيّع جماعياً. وبذلك يكتمل معنى “التكامل الوجودي” في “عبّ” ميشال عون، فيُصرف هذا “التكامل”، “جسداً واحداّ”… وإنما في “جيبة” الحاج حسين خليل.