
يجلس مروان حمادة الى قوس العدالة الدولية. حان وقت الحقيقة، جاء زمن الحساب. بهدوء وثبات يتلو حمادة شهادته. هي شهادات، هي تواريخ، هي مدونات يقولها الرجل للتاريخ. يجلس الى شاشته الصغيرة لبناني في منزله في لبنان أو في أي زاوية من هذا العالم، يسمع بانتباه، يراقب، يتابع عن كثب وبشغف عال تلك الشهادة.
مروان حمادة يتكلم ويتكلم ولحظات غالية من التاريخ اللبناني تتهاوى في قلب لبناني، أي لبناني، نعيش الايام الماضية في منظار الحاضر. يكفهر القلب، لم يحن الوقت بعد لننسى أو نتناسى ولا حتى لنسامح، بعد بكير. أصلا لا نريد أن نسامح الان، نريد أن نحاسب، ان نسترد حقنا وكرامتنا، ناسنا ومعتقلينا وشهداءنا والكل عددهم بالالف فهل ننسى الالاف؟!
هي شهادة ولكنها عمليا هي يوميات الاحتلال السوري البغيض للبنان. منعطفات كبيرة، أحداث لم نكن لنفهمها في لحظتها المعلنة، الى أن حصل ما حصل وفهمنا لاحقا كل الحكاية. لا أظن ان لبنان عاش أسوأ من الاحتلال السوري، حتى الاتراك وفي خلال أربعمئة عام من الاحتلال، لم يفعلوا بلبنان كما فعل آل الاسد الكرام.
استراحة ثم يعود مروان حماده من جديد، يبدو في غاية الانسجام مع لحظته، هذه هي فعلا لحظته ليقول ما يجب أن يقول، ويفعل ما كان ينتظره منذ أعوام، هو من كاد أن يكون شهيدا لا تنسوا.
قبل الـ 2003 لم يكن حماده من صفوف “القوات اللبنانية” بطبيعة الحال، انه الدرزي المتزوج من مسيحية الذي يغرز صورة مار شربل والقديسة رفقا بين طيات كتبه، صديق وليد جنبلاط الروح بالروح، السياسي المثقف الذي يشبهه البعض بارستقراطي الجبل، ولم يكن أيضا يومذاك من جماعة المعارضة، كان ربما ملزما أن يكون في المقلب الاخر. ومع الانسحاب الاسرائيلي من لبنان ومن ثم نداء بكركي العام 2000 تحين اللحظة، وبدأ يندد باستمرار بالاحتلال السوري للبنان، وبعدما هلل لزيارة بطريرك الاستقلال مار نصرالله بطرس صفير للجبل في آب 2001، وانتقاله وجنبلاط تدريجيا الی المقلب الاخر، مقلب التيار السيادي، ما عاد يخشى شيئا ولا يساير أحدا الا ضميره الوطني. وأصبح حماده في مرمى السوريين، اذ لم يكن ليتقبّل هؤلاء أن ينضم رجلا مماثلا الى اولئك المتمردين الذين يطالبون منذ سنين وسنين بالسيادة والاستقلال وبتحرير لبنان وجلاء جيش الاسد عنه واطلاق المعتقلين وعودة المنفيين وما شابه.
جلس الرجل الذي ما زال يعاني من آثار الدوي في أنحاء كثيرة في جسمه، بهدوء بالغ يتلو شهادته وكأنه يمزمز كأسا لذيذا طيبا، ليس أمتع من الحقيقة، ليس أجمل من أن يحين وقت القطاف، الحق، وأنت ما زلت على قيد العنفوان بكامل الصخب لتتمكن من الامتنان للحياة انها حصّلت بعضا من حقوق أهدرها مجرمون من دون أي وجه حق ولا عدالة، هكذا بدا من قالوا عنه انه شهيد حي، توصيف وان كان يراد به التكريم لكنه لا ينصف حمادة، اذ انه ليس بشهيد وهو حي وقوي وينبض بالعنفوان وينطق بالحقيقية كل الحقيقة في أعرق الامكنة، المحكمة الدولية، التي وحدها ستنصف وطنا، ستنصف شهداء، ستنصف حتى المجرمين الذين حوّلوا الوطن الى مقبرة ذات احتلال أسود.
فصول وفصول تتوالى، يخبرنا حمادة تفاصيل لعلنا نسمعها للمرة الاولى وان كنا عرفنا بعضا من خطوطها العريضة، اذ وبتأثر واضح وبصوت عميق أخبرنا مثلا عن اللقاء ما قبل الاخير، في كانون الاول 2003 الذي جمع الحريري ببشار الاسد وكيف ضرَب الرئيس الشهيد رأسه بنافذة سيارته بعد خروجه من اللقاء المذلّ، اذ وجّه له ذاك الاسد كلاما مهينا معتبرا أن المسؤولين في لبنان لا شيء والزمه بالامتثال لاوامر اميل لحود، وذلك بحضور ثلاثة ضباط سوريين لم يكونوا من رتبةٍ عالية وهم غازي كنعان ورستم غزالة ومخلوف. “وضع الحريري قطنةً في أنفه إلى أن هدأ وعاد إلى بيروت” قال حماده…
عن جريدة “النهار” أخبر كيف وضع الاحتلال عينه عليها علّه يسكتها، وعمل جاهدا لسحب الحريري كمساهم فيها في محاولة منه لافلاسها واغلاقها واضعاف الحريري، والاطباق على وسيلة اعلامية منادية باستقلال لبنان، خصوصا ان بشار الأسد كان يستاء من مقالات غسان تويني وسمير قصير، اضافة الى عملية نسف تلفزيون “المستقبل” وإغلاق “الـ ام. تي. في” سابقا، بهدف اسكات الصحافة الحرّة عموما في لبنان…
تفاصيل وتفاصيل أعادت مشهد البارحة، شهادة بحجم وطن، ووطن تُفلش اوراقه عند قوس عدالة دولية، وحدها ستحوّل المجرمين الى مجرد أسماء تصبح أوراقا صفراء باهتة بمهب عدالة لا يقوى عليها سلاح مهما علا وتجبّر…
