
لبنان يشتعل. الاحتلال السوري يجسم على صدر الوطن. جبهات مفتوحة تحيط بالمنطقة الشرقية لؤلؤة لبنان في ذلك الوقت، و”القوات اللبنانية” تدافع عن ارضها وشرفها ولا تبخل بالشهداء والدماء، انها اسطورة طائر الفينيق.
عام 1982 كان ذروة الحرب على لبنان، الاسرائيليون يهاجمون من الجنوب والسوريون يحتلون الشمال والبقاع والشطر الغربي من بيروت.
كانت “القوات اللبنانية” آنذاك في حركة دائمة على الجبهات، وفي الداخل تدريبات متواصلة كأي جيش نظامي. يروي النقيب السابق في تراتبية “القوات اللبنانية” سمير بو يونس الآتي: في حزيران 1982 بدأ التحضير للقيام بأعمال عسكرية بهدف طرد الجيش السوري من الاماكن التي كانت تشكّل نقاط حيوية لـ”القوات اللبنانية”. ومن هذه التحضيرات القيام بتدريبات في ثكنة كسرجيان على قتال الشوارع والاماكن المبنية، “تحرير غرف والاستيلاء على مبان محصنة وتطهيرها من العدو”.
كان جيش الاحتلال السوري متمركزاً في كلية العلوم الحدث وكان يضيق على منطقة الحدت بالقنص واطلاق القذائف الصاروخية خصوصاً اثناء تنقل دوريات “القوات اللبنانية”. شُرع البدء بوضع أمر عمليات لتحرير الجامعة.
ازاء هذا الوضع وقبل اكتمال التحضيرات للهجوم على الجامعة، وذلك في شهر حزيران 1982، انطلقت حضيرة مساندة من ثكنة “كسرجيان” مع مدفع 106 ملم الى بعبدا، حيث كانت مجموعة الاستطلاع رصدت ثلاث دبابات سورية من نوع “ت 55” تربض قرب كلية العلوم، فتم قصفها وتدميرها.
في اليوم الثاني، انطلق النقيب بو يونس من ثكنة كسرجيان حيث كان آمر فصيلة المساندة فيها وبحوذته مدافع “106 ملم” و “ب 10” و “12,7 ملم” ومجموعة من سلاح الهندسة الى ثكنة كفرشيما للأستطلاع تحضيراً للمهمة.
ليلاً اجتمع آمرو السرايا والفصائل مع القيادة، وتم عرض أمر العمليات وتحديد الاهداف وساعة الصفر ودور كلٍ من القوى المشتركة بالهجوم.
في صباح 19 حزيران، وقبل انبلاج الفجر تمركزت فصيلة المساندة على مسافة 150 م شرق الجامعة وثلاث سرايا من المشاة شمال شرق موقع الهجوم في البساتين المحيطة.
المساندة المدفعية المؤلفة من مدافع “120 ملم” و “82 ملم” كانت في مربض كفرشيما بالاضافة الى ثلاث دبابات شيرمان متمركزة في تلة الوروار.
في الصباح، وعند الساعة صفر المحددة في أمر العمليات، بدأ القصف المدفعي من قبل “القوات اللبنانية” على الجامعة حتى شلّت الحركة داخلها. تزامناً، بدأ اطلاق النيران على الطوابق المواجهة لشل حركة القناصين بالاضافة الى قصف طريق الامدادات في حي السلم والمطار.
كثافة النيران القواتية شلّت حركة الجيش السوري وشتّتت نيرانهم وجعلتها من دون فعالية تذكر. بعد التأكد من إسكات النيران العدوة، انتقلت مجموعة الرأس (اي طليعة القوى المهاجمة) الى مدخل الجامعة، وهنا كانت المساندة تحرف نيرانها شمالاً وعلى الطوابق الثلاثة الاولى حيث فتحت لهم الطريق بعد تفجير الهندسة الكنسرتينا ودخلوا الى المدخل الرئيس تحت تغطية نيران كثيفة وتم السيطرة عليه.
توجّه اول عنصرين من “القوات” الى الداخل، فالتقيا على الدرج بسوري مرمي ارضاً بسبب اصابته. ظنوه ميتاً، إلا هذا الاخير لم تمنعه اصابته من اطلاق النار عليهما في غفلة من اسفل الدرج ما أدى الى اصابتهما في رأسهما فإستشهد ايلي مخلوف وجوزيف بيطار.
بعدها دخلت القوى المهاجمة وتم انشاء مركزين للمساندة لمنع العدو من الهرب. وتوجهت قوة من المساندة الى مكتبة الجامعة التي يسيطر عليها السوريون وصولاً الى المقهى الذي كان وراء المكتبة لوقف قوى الدعم السوري والفلسطيني من مخيم برج البراجنة مروراً بحي السلم. ركزّت المدافع المضادة للدروع وتم تطويق الجامعة لمنع اي إختراق.
بعد دخول مجموعة الرأس، كانت وحدات الاسعاف تعمل على اخلاء الشهيدين من ارض المعركة. هنا يتذكر بو يونس ويقول: “لفت انتباهي دموع رفيقة من وحدات الاسعاف تبكي، علماً أنها من اصحاب القلوب القوية. فسألتها عن سبب دموعها هذه فقالت: “هل تعرف من حمل ايلي؟ خيو إدي!”. و الملفت ان إدي بقي في موقعه، ولم يغادر إلى المستشفى مع أخيه. و استشهد إدي بعد عدة اشهر على طريق الشويفات في مكمن مسلح.
هذه هي “القوات اللبنانية” بتضحياتها وعنفوانها، ويأتيك اليوم من كان في الامس يلبس “الشورت” لينتقد اداءك وتضحياتك شهداءك.
في هذا الوقت دخلت مجموعة الرأس وبدء تحرير الغرف والممرات، وتمكنت من اسر حوالى 23 سورياً. بعد ذلك دخلت السرايا المقاتلة، سريتان استملت الطوابق الارضية والطابق الاول، وتم تحذير القوى المقاتلة من وجود مواد كيمائية وضرورة الإنتباه من تفجيرها. أما السرية الثالثة، فتمكنت من دخول المكتبة والسيطرة عليها وتحريرها.
دامت المعركة 4 ساعات، حررت “القوات اللبنانية” الجامعة وانتشرت فيها. أما السوريون، فهربوا من طريق حي السلم تاركين وراءهم ذخائرهم وآليات مدمرة وقتلاهم والدماء تملأ المكان.
للبطولة عنوان و للشهادة وسام، وابداً هي هي “القوات اللبنانية” ثمرة نضال وحكاية شعب لا يركع، واجه الاعاصير وغضب اسد جائع ومتعطش الى الدم، جابه اللوفياثان léviathan وقطع ارجله ورأسه في زمن عز فيه الرجال. بقي الابطال وحدهم في ساحات الوغى يواجهون الطاغوت. ويأتيك اليوم من يتبجح و يقول ماذا فعلت “القوات اللبنانية”؟! ما قرأتموه الآن هو غيض من فيض وقائع حية دونت بشجاعة ابناء القضية ودمائهم.
