لا يستطيع رئيس “التيار الوطني الحر” ميشال عون العيش بعيداً من الماضي، معتقداً ان بإمكانه كسب شعبيّة جديدة أو شدّ عصب تياره، من مخزون “الماضي” الذي أكسبه بالشعبوية وبالتضليل شعبيّة معيّنة، لذلك يبادر في مقابلاته التلفزيونية إلى ما يشبه “القطع والشلح” لأفكار ومعلومات تجافي كل حقيقة، وكان آخرها اطلالته التلفزيونية على شاشة الـ mtvعبر برنامج بـ”موضوعية” حيث قال: “مدفعية القوات ما قصّرت فينا”. وكأن الجيش السوري مدعوماً بالميليشيات اللبنانية المتحالفة معه وبعض ألوية الجيش اللبناني تنقصها غزارة نيران وتحتاج الى مساندة “القوات اللبنانية” للتغطية!
لكن الوقائع على هذا النحو المغلوط والملتبس تقودنا إلى سرد بعض الحقائق التي تشكّل غصّة في قلوبنا نتيجة اداء العماد عون المدمّر للمسيحيين منذ تسلّمه السلطة.
نبدأ أولاً بفشل “حرب التحرير” التي اعترف العماد عون بأنها كانت مجرد “تنفيسة” للاحتقان المسيحي ولا علاقة لها بأي عداء مبدأي مع سوريا، ما جعله يحمّل المسؤولية إلى من وافق على “الطائف”، وتلبية لأمر عمليات سوري بضرورة انهاء “القوات” قبل أي خطوة تالية.
كان الاغراء كبيراً نسبة إلى طموحات “الجنرال”. فجأة خفف من وطأة خطابه المعارض للسوريين، بل راح يُطلق بين الحين والآخر، إشارات ايجابية باتجاه دمشق، مثل التصريح الذي أدلى به إلى إحدى شبكات التلفزة الأميركية ونشرته الصحف اللبنانية في 5 كانون الأول 1989، فقال: “أود الحصول على وساطة سياسية مع سوريا تحترم حقوقنا الأساسية، وفي الوقت نفسه تهتم بالمصالح السورية الحيوية وتكون شرعية”.
على الرغم من كل ما جرى بينها وبين العماد عون في حرب التحرير، كانت سوريا واثقة من ان العماد عون قد يكون خصمها تكتيكياً، لكنه حليف لها على صعيد التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
في ليلة وضحاها، نكث العماد عون مرة أخرى بكل وعوده وعبارات الغزل لـ”القوات اللبنانية” في إعتبارها السند والساعد والمساعد للجيش وللشرعية وبأنها جزء لا يتجزأ من الشرقية، الى حدّ إعتبارها بمثابة جيش إحتياط. وانقلبت مواقفه حيالها حتى أصبح يتهمها بأنها تآمرت على لبنان بالموافقة على اتفاق “الطائف”، و”بالتالي ادخال السوريين علينا”.
أما على أرض الواقع وبعيداً من الخطاب الشعبوي الذي نجح فيه عون في تعبئة الرأي العام المسيحي ضد “القوات”، كان “الجنرال” ينسّق على نحو كامل مع السوريين الذي اوعزوا إلى حلفائهم من احزاب وشخصيات موالية لهم وحاقدة على “القوات” بمدّ يد المساعدة للعماد عون في حربه الالغائية.
هؤلاء قاموا بواجبهم آنذاك بفتح خطوط مباشرة بين العماد عون والسوريين، فأغدقوا عليه بالمونة: أسلحة و”ذخيرة” ومحروقات ونصائح، والثمن هو رأس “القوات اللبنانية”!
المفارقة أن العماد عون، الذي كان يتّهم “القوات اللبنانية” بالتحالف مع السوريين، كان هو نفسه، في الفترة ذاتها وقبلها، يُقيم علاقاتٍ معهم، ويرسل الوفد تلو الآخر للتنسيق مع غازي كنعان، وصولاً الى حدّ حثّ السوريين وبعض حلفائهم اللبنانيين، على توتير الجبهات مع “القوات اللبنانية”. وهذا بالضبط ما أشار اليه موفد عون الى السوريين آنذاك، حبيب الخوري حرب والد القيادي في “التيار العوني” انطون حرب،، في صفحات كتابه، فشهد شاهدٌ من اهله!
شهدت هذه الفترة تبدلاً كبيراً في مواقف العماد عون تجاه سوريا وحلفائها وتحميل “القوات اللبنانية” كافة مآسي الحرب واخطاءها. السيناريو كان واضحاً: انفتاح السوريين وحلفائهم على “الجنرال” يؤدي إلى استنزاف المؤسستين العسكريتين الأكبر في لبنان: الجيش و”القوات” ليدخل السوري غداً ويضع يده على كل شيء والسلام على لبنان.
استشعرت “القوات اللبنانية” الخطر الكبير، ورغم استعابها الهجوم العسكري لجيش العماد عون، وإفشال خطته بالسيطرة على المنطقة الشرقية، أبقت الأبواب مفتوحة لوقف النزيف. أما العماد عون فأدرك خلال هذه الحرب انه فشل في تحقيق هدفه واقرّ بذلك للكاتبة كارول داغر قائلاً: “إن وضعي ليس أحسن بكثير مذ تورطت في هذه المغامرة”.
كان العماد عون يتهم “القوات” بموافقتهم على اتفاق “الطائف” الذي برأيه يؤمّن لسوريا امكان السيطرة على لبنان، في حين كانت الحرب التي أعلنها بنفسه تؤمّن للسوريين هذه السيطرة بالفعل لا بل تلغي كل امكانية للمواجهة معهم في المستقبل وبالطبع فقد سعت سوريا لاستمرار المعارك وزيادة الشرخ بين المسيحيين.
وشكل حديث العماد عون الى جريدة “الشرق” في 3 آب 1990 نموذجاً معبراً لمدى التحول من شعارات حرب التحرير الى رفض الحدود بين سوريا ولبنان، وبالنتيجة فرضت هذه المعركة ستاتيكو جديد تمثل بخطوط تماس داخل المنطقة الشرقية وبانهيار قوة الفريقين وباستياء دولي عارم اسقط كافة الخطوط الحمر التي كانت تمنع السوريين من اقتحام المناطق الحرة لا بل بالعكس فقد اصبح السوريون هم الحل الذي يمكن ان ينهي “الجنون” الحاصل.
وتأتي شهادة موفد العماد عون إلى السوريين حبيب الخوري حرب لتؤكّد ان نظام الأسد وفّر كل الدعم اللازم لعون، في العام 1990، للقضاء على “القوات” بالذات، ويقول: إن “سوريا لم تكن تريد الحسم ضد عون لأنها كانت تعتبره حليفها الاستراتيجي، وتجلّى هذا الموقف السوري بعدم التضييق على عون في معركته ضد “القوات اللبنانية”، وفتح المعابر له”. ويضيف: “كان بعض المقرّبين من سوريا يؤمّنون لعون محروقات للدبابات والآليات العسكرية، ليتصدّى لجعجع، وجعله ذلك يطمئن الى انه باقٍ في القصر وان لا خطر عليه”. ولعلّ ما يجري منذ العام 2005 وحتى اليوم، يمثّل خير دليلٍ على متانة العلاقة التي تربط السوريين بعون.
كان كل ذلك يجري في الكواليس، لذلك كلمة حق تُقال بأن رئيس “التيار الوطني الحر” بعد عودته من فرنسا وتحالفه علناً مع النظام السوري و”حزب الله” هو الأكثر صدقاً وانسجاماً مع النفس، ولو على حساب مصلحة وطنه وشعبه، بينما كان سابقاً يقوم في الباطن بما لا يقوم به في العلن!
وأخيراً تمت الصفقة الاميركية – السورية لاقتحام المناطق الحرة، حيث اجتاحها السوريون في 13 تشرين الأول 1990 فقصد العماد عون السفارة الفرنسية وبقي هناك بعدما “طلع من المولد بلا حمص” واعدموا حوالى 120 ضابطاً وجندياً لبنانياً وسيطروا على القصر الجمهوري ووزارة الدفاع الوطني وسرقوا ملفاتها وانهوا حقبة من الممانعة المسيحية وبدأوا عملية اتمام السيطرة على لبنان.
“عقلانية” الجنرال مشهودة ومشهورة منذ ان اعلن حرب التحرير من دون حسابات، وأقرّ في ما بعد انها “تنفيسة”، وبعدها حرب الالغاء وقراءته الخاطئة للمواقف الدولية التي اسقطت الستاتيكو الذي كان قائماً في لبنان، وجعل وطن الارز يقع في قبضة الهيمنة والوصاية السورية طوال 15 عاماً.
وإذا نظرنا، بموضوعية، الى ما آلت اليه الأمور بين العماد ميشال عون والسوريين في النهاية، يتبيّن لنا بما لا يقبل الشكّ، أن الحليف الأساسي والموضعي والعملي للسوريين على الدوام كان العماد ميشال عون الذي ساهم بسياساته وحروبه غير المتكافئة بإدخال السوريين الى مناطق نفوذه في العام 1990، ولاحقاً يوم اعلن تحالفه مع السوري على الملء عام 2005، محاولاً شلّ حركة ثورة الأرز وإعاقة تحقيق السيادة الناجزة.
