
مرّ عيد الإستقلال هذه السنة وكأنه لم يمُرّ. لا عرض عسكري، لا إستقبالات في قصر بعبدا، لا رئيس حتى في قصر بعبدا… والفضل كل الفضل لهذه الخلطة العجيبة من المجموعات المتعايشة مع بعضها، عنوةً، لكل منها نظرتها الخاصة للإستقلال، وحتى… للوطن.
ما أصبح واضحاً بعد عقود عدّة من الإستقلال، أن شعوب دول ما يُسمى بالوطن العربي، وبالرغم من أن حججها كانت وما زالت، الأنظمة القمعية والديكتاتورية أو الديمقراطية الصورية والتي لا تمت بصلة لا للحرية ولا للديمقراطية، التي ولدت إما بعد زوال الإنتداب أو الإحتلال مباشرة، أو بعد الإنقلابات التي حصلت، فهذه الشعوب ظهرت أخيراً بمظهر العاجز، أو الغير جاهز، أو غير القابل أو مُتقبل لنظام ديمقراطي حضاري متطور، كأنها لا تقدر على العيش والتأقلم إلا بظل الأنظمة الحالية.
والسؤال الذي يُطرح هنا، هل حقاً هذه الشعوب تستحق الإستقلال؟!!
سنبدأ أولاً بلبنان، الوطن الضائع بين عدة مشاريع أوطان، لا يشبه أحدها الآخر ولا تتلاقى مع بعضها أبداً.
بعد أن إنتهت قرون، بل آلاف السنين من الغزو والفتح والإحتلال، وآخرها الإحتلال السوري في الـ2005، الذي برع في مص دم الدولة اللبنانية ومعها اللبنانيين، فعلياُ ومجازياً، وبعد إنتظار طويل، أصبح لبنان خالياً من أي إحتلال. فماذا حصل؟؟
بفعل الإرتباطات الخارجية لبعض الأطراف اللبنانية، وبدل أن تتضافر جهود كافة اللبنانيين لبناء وطنهم من جديد، دخلت المجموعات اللبنانية في صراع كبير تحول دموياً في بعض المحطات، صراع ما زال يعطل الدولة بأكملها ويمنع إعادة تكوين السلطات الرسمية كافة.
فوصلنا الى بلد من دون رئيس، مجلس نيابي ممدد له مرتين، حكومة ما تهزو واقف ع شوار، أجهزة رقابة في سابع نومة، أجهزة محاسبة على الطلب والمزاج، قسم من أبنائه يقاتلون خارج حدوده، قسم آخر يدعم الذين يقاتلهم القسم الأول، قسم آخر يتفرج، نصف لبنان أصبح من الغرباء، أزمات معيشية، صحية، إقتصادية، أمنية، سياسية، إجتماعية… وبلد ماشي على ما يقدر الله!!!
أما في البلدان المحيطة بنا، فوضعها أسوأ، وأسوأ بكثير.
فالعراق مثلاً، وبعد أن أخذ إستقلاله من خلال إنهاء الحكم الديكتاتوري فيه وإنسحاب الجيوش الأميركية منه، دخل بدوامة دموية مميتة في صراع مذهبي عمره مئات السنين، ولن ينتهي بمئات أخرى، شلّع البلاد من أقصاها الى أقصاها وأعادها عقوداً الى الوراء.
وقبلها أتت الثورة الإسلامية وحولت إيران من خامس دولة في العالم، الى بلد محاصر بالعقوبات الدولية مترافقة مع أزمات إقتصادية وإجتماعية ومالية خانقة، ما يدفع بالعديد من الإيرانيين للهجرة الى بلاد الغرب وخاصة الشيطان الأكبر، طلباً للحرية والعيش بسلام.
أما سوريا التي رزحت تحت حكم ظالم لعشرات السنين، أعيقت الفرصة الذهبية ليتخلص الشعب السوري من جلّاده وليبني وطناً حرّاً مُستقلاً يقوم على القانون والمساوات، عبر تحويل الثورة الى أكبر صراع مذهبي عرفته المنطقة منذ زمن، ولم يكتفوا بذلك، بل حولوا سوريا ملاذاً لكل المتطرفين في العالم وحلبة صراع دموي إجرامي متوحش لكل الصراعات الإقليمية والدولية.
كذلك ليبيا واليمن، ومصر أيضاً ولو أن الصراع فيها بحدوده الدُنيا، وحده الشعب التونسي نجح في إعادة تكوين سلطة تقوم على العدالة والمساوات، وظهر أنه يستحق فعلاً ما حققه من خطوات على طريق الحرية الحقيقية ذات الطريق الصعب، والطويل.
في الخلاصة، شعوب مختلظة ببعضها البعض من إثنيات وأديان ومذاهب مختلفة ومتناقضة، يغلب على بعضها التعصب والتطرف وتكفير ورفض كل ما هو مُختلف عنها. شعوب تعيش في الماضي المتحجر، تنقاد وراء نظريات خرافية لا تمت الى الواقع والحقيقة بأي صلة وتسعى لتطبيقها. شعوب تاريخها مبني على القتل والغزو والسبي وشريعة الغاب.
قيل لهم يوماً إنّ الله لا يُغير ما بقومٍ حتى يُغيروا ما بأنفسهم، ولم يفهموا، وعلى الأرجح لن يفهموا. وعليه، فالصراعات مستمرة، والحروب لن تنتهي، لأن الأوطان لا تُبنى بالحقد والتطرف والإجرام، وإنما بالتضحية والإنفتاح وتقبل الآخر، كائناً مَن كان وماذا يأكل ويلبس وكيف يفكر ويتصرف، والأهم… مَن يَعبُد ولمن يُصلّي.