
تشرين عند نافذة مطر، على مشارف جبل يغزوه الثلج بعد شوق، ماتت شحرورة، ذهب ربيع، انطوى صيف من فرح لبنان، انكفأ عنفوان في بيت كرامة بدت راحلة بعيدة مغيبة، ماتت صباح فوق سريرها في غرفة صغيرة بالكاد كانت تتسع لعيون امرأة جابت العالم بصوتها وجعلت من الحياة امثولة للحياة.
بخاطرك صباح وأكيد ليس بخاطرنا، كانت مشتاقة للموت متلهّفة عليه “عملت كل شي هون وجربت الحياة كلها ما بخاف من الموت وبحب أعرف شو في هونيك واذا رح يكون أحلا من هون أو لاء” هذا ما قالته في آخر تصريح لها. غريبة تلك المرأة التي تضجّ بالحياة حتى وهي على فراش الثمانين. وكأنها هي هي لم تتغير منذ أفلام الابيض والاسود مع رشدي اباظة الرجل الوحيد الذي أحبته فعلاً، ومع فريد الاطرش وأبطال الزمن العتيق الذي يقال انه الزمن الجميل.
تلك الآسرة في أناقتها وحضورها وصوتها المدوّي شلال وطن، طغيان انثى، دبكة لبنان، عنفوان وطن، وكأنها لا تزال تقف تحت قناطر قلعة بعلبك تنده على ايلي شويري “سفّرني معك على هالطرقات ولما الريح بتاخدك وبتشلحك وبتزرعك سفّرني معك” في اوبريت دواليب الهوا للاخوين رحباني، كأنها لا تزال تقف بعنفوان العالم كله مع وديع الصافي تغني لبنان وتلك الاووووف العابرة للمساحات الصوتية النادرة، تهدر في قلب الكرامة تصرخ على لبنان ليبقى لبنان الحلو وترجوه “يا لبنان دخل ترابك” ولبنان غالبا لا يبالي، لا يسمع الصوت، وحدهم منتماهوا معها بالكرامة والخوف على الوطن كان يسمع ويطرب ويستجيب.
سبعون عاما وهي تغزل حكايات الفرح، تحمل لبنان الينا، الى العالم كله، ولا يعرف أحد ما هو عالمها الحقيقي، لا يعرف أن تلك المشعة فرحاً، صاحبة الضحكة المدوية، المصرّة على الزينة والاناقة حتى وهي في فراشها، كانت تبكي تتعذب تعاني وتشرب من الحياة حتى الثمالة، “الحياة بسيطة وحلوة ولازم نعيشها متل ما هيي ما بحب التعقيدات” كانت تردد، وغنت للحياة “ع البساطة البساطة يا عيني ع البساطة”.
غريبة تلك السيدة كيف عاشت ألف إمراة في إمراة واحدة، كانت الفنانة المطلقة بعدّة النجومية الكاملة، هي النجومية وحتى الآن لا فنانة تمكنت أن تأخذ منها ذاك الوهج الغريب، كانت الام وعانت من امومتها، كانت عاشقة ولم تترك قلبها يفرغ من الحب، كانت اليد السخية التي لا تعرف يمينها ما تفعله شمالها من دون استعراض ولا اعلام، ساعدت كثر كثر ولم تبح، كانت كل ما نحب أن نكونه في سرّنا ولم نعرف يوماً أن تلك المرأة التي لا تتعب من الضحك عاشت عذابات كل الناس، كانت في مكان ما امرأة عادية مثل كل النساء لكن حسبها ذاك الوهج، تلك الهالة المسبوغة من خالقها عليها ولم يتمكن أحد من اختراق هذه النعمة…
وجودها كان الخير ورحلت مع نعمة المطر الهابط علينا خيراً، في وصيتها قالت بضع كلمات “ما تبكو وما تزعلوا عليي وهيدي وصيتي إلكن”، وطلبت من ابنة شقيقتها أن يضعوا موسيقى الدبكة وأن يرقصوا يوم دفنها “بدي ياه يوم فرح مش يوم حزن بدي ياهن دايما فرحانين بوجودي وبرحيلي متل ما كنت دايما فرّحن
وقوليلن انو بحبكن كتير وضلوا تذكروني وحبوني دايما”.
هذا كل ما تريده صباح، أن نذكرها، أن نحبها أن نكرّمها بقلوبنا ونحكي عنها بفرح، لم تشأ مطربة “ع الليلكي” و”جيب المجوز يا عبود” أن يكون الدمع لوداعها، عاشت الفرح، علّمتنا الفرح، وتريد أن نقول لها وداعاً بفرح.
هي الآن نسيم هذه الارض، استقرت عطراً في شلوح الارز، و”عالضيعة” ذهبت تجمع الحصاد علّ لبنان من هناك يبدو أجمل، علّ لبنان هناك أنظف وأرقى كما تحب أن تراه، علّ لبنان هناك يلتفت اليها ويتذكر أن كان عنده مطربة كبيرة كبيرة استثنائية كان إسمها صباح نثرت الحياة عطر الناس حيثما ذهبت، وبدل أن تموت في قصر الاحلام اكتفت بالموت فوق سرير في غرفة صغيرة في فندق، حولتها الى عالم من أحلام وبقيت كرامتها عالية كجبين وطن هو أعلى من كل شيء …صباح الخير يا صباح …
