للبطولة عنوان.. 1 نيسان 1976 الهجوم الاشرس على الكحالة وانتصار ابناء الارض

خاضت المقاومة اللبنانية صولات وجولات في الميدان خصصت للدفاع عن لبنان الكيان والارض. ان الجغرافيا السياسية هي نتيجة حتمية للتاريخ، وتاريخنا المشرق على مرّ العصور حفظ لنا هذا اللبنان بحدوده الآنية وهذه الحدود هي نتيجة مقاومة المحتل وثبات ابناء الارض في ارضهم، فكان ان انكفأ المحتل وبقي اللبنانيون بفضل سواعدهم ودمائهم وعرقهم المجبول في ترابهم الذي استحال صخوراً بفعل كيمائية الدم والتراب، فتكسرت على هذه الصخور احلام الغزاة.

فبينما كان القتال محتدماً بين المقاومة اللبنانية والفلسطينيين في تل الزعتر كانت هناك معارك تدور بين ابناء الكحالة الابطال وبعض القوى اليسارية والفلسطنيين المتمركزين في عاليه وسوق الغرب. وهي كانت تعنف حيناً وتخفت احياناً الى ان احتدمت وتحولت الى معركة عنيفة استعمل فيها اليساريون والفلسطينيون مختلف انواع الاسلحة.

شرع ابناء الكحالة يدافعون عن بلدتهم دفاع الابطال، حيث حاول المعتدون اقتحام البلدة مرات عدة ولكنهم لم يفلحوا، وفي كل مرة كانوا يتراجعون امام صمود ابناء الارض مخلفين وراءهم العديد من القتلى والجرحى وكميات كبيرة من الاسلحة والذخيرة.

مع بداية الحرب في الـ75 بدأ اليساريون في عاليه وبدفعٍ من الفلسطينيون يعيثون فساداً في المحيط: يرفعون الدشم والتحصينات، يستقدمون السلاح والمسلحين، ينصبون الحواجز ويقومون بأعمال الخطف. وقد هجّر المسيحيون من عاليه وفقدوا الكثير من ابنائهم بفعل عمليات الغدر التي قاموا بها المسلحون وحلفاؤهم الفلسطنيون. كل يوم كانت تقع حادثة مروعة او عملية قنص كالتي حصلت مع الرائد شامل موزايا من الجيش اللبناني حيث اصيب بجراح خطرة وقتل مرافقه.

وفي كل مرة كانت التجاوزات تشتد ومنها حادثة خطف خمسة اشخاص من الكحالة في عاليه على يد جماعة “فتح” وبعض اليساريين ولم يفرج عنهم إلا حين قام اهالي الكحالة بإعتقال بعض التقدميين كأحدى وسائل الضغط على الخاطفين. إزاء هذا الوضع المتردي، قام مشايخ عاليه واهاليها بالإجماع بالاستنكار والشجب ورفض هذه التجاوزات واعلنوا ان الغرباء هم الذين يقومون بهذه الاعمال لزرع الفتنة بين ابناء البلد الواحد لتمكينهم من اللعب على المشاعر الطائفية وتسهيل مهامهم بإحتلال لبنان.

توتر الوضع بين ابناء الكحالة وعاليه، وانتشرت الحواجز في جميع شوارع عاليه وخصوصاً قرب بناية “فرن الجبل” حيث جرت حادثة دامية عندما حاول عناصر الحاجز الإعتداء على البطل جوزف نمر الزغبي فسقط اربعة قتلى وجريح وهروب عناصر الحاجز واستشهاد جوزف.

بعد كل هذه المعطيات والتجاوزات، إمتشق ابناء الكحالة الابطال السلاح بعدما تخلت عنهم الدولة. تزامناً كانت القوى المناهضة لهم تتمركز على التلال المحيطة والمشرفة على البلدة وخصوصاً عندما كانت تحتدم المعارك على محاور القتال التقليدية في عين الرمانة وغاليري سمعان.

وبدأ اليساريون والفلسطينيون يقصفون البلدة من حين الى آخر حيث استشهدت جنفياف بجاني، وهنا اراد ابناء الكحالة ان يلقنوا المعتدين درساً لم ينسوه. بدأ المقاومون من ابناء الكحالة بإقامة المتاريس والتحصينات وتعزيز مرابض المدفعية منسقين مع كل قوى المقاومة اللبنانية الموجودين في المنطقة. بعد حركة عزيز الاحدب الفاشلة، وتحديداً في 15 آذار 1976، شنت المقاومة اللبنانية هجوماً على القسم المواجه للكحالة من عاليه (قصور الامراء والمطبعة فوق غاليري خيرالله) للأسباب الآتية:

أ – نقل المعركة من أرض الكحالة الى أرض عاليه.

ب – السيطرة على مركز القصور الاستراتيجي الممتاز.

ج – صد هجمات احمد الخطيب في حال هجومه على الكحالة بهدف السيطرة على القصر الجمهوري.

ه – مهاجمة المتآمرين ومنعهم من أقامة الحواجز والقتل على الهوية في أول عاليه وبالتحديد ( قرب مفرق شويت). وبالفعل هاجم شباب الكحالة ثانوية الارز قرب قصر الامير مجيد، وقصفت بالمدفعية المباشرة من عيار “107 ملم” لأنها كانت معسكراً للقوات المشتركة تطلق الرصاص على الكحالة.

الاحد 28 آذار 1976، تعرضت الكحالة لهجوم عنيف بعد التمهيد له بقصفٍ مروّع. فكان الابطال بالمرصاد للمهاجمين على مشارف الكحالة حيث اندحروا يجرون وراءهم الذل والخيبة وتاركين العديد من قتلاهم من المرتزقة والفلسطينيين. ولم تقع اصابات في جانب الاشتراكيين اذ بقوا في الخطوط الخلفية. والجدير بالذكر ان بعض المرتزقة تسللوا الى احراج الكحالة وكانوا على موعد مع مصير مشؤوم.

استشهد في معارك الكحالة على مختلف مراحلها الشرسة ابطال اشاوس يدافعون عن ارضهم أبوا ان يدنس ترابها من باع ارضه لأنه لا يعرف قيمة الارض. والشهداء هم: جورج فضل الله بجاني، انطوان جورج بجاني، جان جاك ابي خليل، ايليا مكرزل، الياس نعمة الله بجاني، نقولا الغرزوزي وزوجته لبيبه قازان، ايلي سبع الزغبي، كميل سعد البجاني، انيس نعمان ابي خليل، جرجورة جان مكرزل، ريشار اميل ابي خليل، الاب بطرس ابي خليل، راشد فارس بجاني، شربل فارس ابي خليل، ناجي جورج بجاني، جورج امين بجاني، وجيه فؤاد ابي خليل، ايلي توفيق بجاني، جريس يعقوب الزيناتي، جوزف انطوان بجاني، الياس يوسف راشد بجاني، ايلان خليل بجاني، جنفياف الفرد رزقالله، ايليا نعمة الله مكرزل، ميشال عبدو صالح، شحادة عبدو شربل، انطوان ناصيف القسيس، نمر فارس الزغبي. وبلغ عدد الجرحى خمسين ومنهم ايلي يوسف ابي خليل الذي توفي نهار الاثنين 29 آذار 1976 متأثراً بجراحه.

يحصى في خلال ستة ايام اي من 26 آذار 1976 وحتى 2 نيسان سقوط 11600 قذيفة مدفعية من عيار 82 و 120 و 122 و 155 ملم وصواريخ كاتيوشيا. اوهمت هذه الكثافة المدفعية والاعداد الهائلة من المقاتلين، المخططين للمعركة من لبنانيين وفلسطينيين بأنهم يستطيعون احتلال الكحالة واكمال الطريق لاحتلال القصر الجمهوري. حيث عنونت احدى الصحف الاجنبية “ان معركة الكحالة اكبر معركة على اصغر رقعة ارض”.

توالت الهجمات على الكحالة من دون انقطاع فتصدى ابناء الكحالة للهجوم تلو الآخر. الى أن كان يوم 31 آذار – 1 نيسان 1976، حيث مهد لأشرس هجوم، حشد المهاجمون الآف المقاتلين اغلبهم من المرتزقة وارسلوا الى احراج الكحالة على دفعات، حيث ردتهم المقاومة الباسلة على اعقابهم وكبدتهم خسائر بالارواح والعتاد وكان القتلى اغلبيتهم من المرتزقة الليبيين والصوماليين الذين بقيت هياكلهم العظمية لفترة طويلة في احراج الكحالة. كما وقعت بعدها معارك عدة للسيطرة على الكحالة و لكن لم يفلحوا.

انها حكاية ارض الابطال ونهر الدماء الذي لا ينضب عندما الوطن يكون بحاجة الى ابنائه، هذه هي المقاومة اللبنانية التي توحدت بعدها في مطلع الثمانينات تحت اسم “القوات اللبنانية” التي انشأها البشير والتي ضمت مختلف احزاب الجبهة اللبنانية.

المراجع: ارشيف  بيار جبّور الخاص

ايلي نعمة الله ابي خليل

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل