
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
كتبت جنى جبور في مجلة “المسيرة” العدد 1415:
كان ذلك في نهاية آذار 1981. يومها بدأت تتردد أخبار عن حصول إشكالات وحوادث مفتعلة في زحلة. والهدف؟ إيجاد ذرائع لدخول جيش الإحتلال السوري مدينة زحلة التي عصيت عليهم مرات ومرات. إثر ذلك تشكلت مجموعة من “وحدات أدونيس” وتوجهت نحو زحلة. لكن الحكايات التي يرويها أحد مقاتلي المجموعة تثبت أن ما حفرته بطولات “الشباب” في مرتع الأسود يبقى علامة مضيئة في مسار حكايات الشرف والبطولة. فاستحقت زحلة لقب دار السلام هذا الدار الذي ارتوى بدماء من قالوا “لا” للإحتلال السوري في زحلة وكل شبر من أرض الـ10452.
**********************************************
.jpg)
هو المسؤول عن سلاح الإشارة وأحد المقاتلين في مجموعة “وحدات أدونيس” التي انطلقت نحو زحلة لدرء الخطر. وعندما يبدأ راشد نجيم في استعراض شريط ذكريات تلك المحطة من مسيرة الأبطال ووجع معاناتهم، تعود من حيث تريد أو لا تريد، إلى عصارة التاريخ لتنتشل من فصوله حكايات نضال كنا فكرنا أنها صارت جزءا من دفاتر النسيان. بغصة مغمورة بنشوة الإنتصارات يتكلم نجيم ومعه ندخل باب اللحظة قبل 32 عاماً:
في 2 نيسان 1981، طلب منا حمل ما باستطاعتنا من ذخائر، من دون غيرها من الأشياء، وانقسمنا إلى “حضيرتين” قوام كل واحدة 11 عنصراً، أذكر منهم جورج أبو انطون، وليم بدر، متري الحج، بوب عواد، أليك إليا، كميل منصور، نديم كرم، أندريه شاهين، اميل سلوم، طوني فتوح، شارل حبيقة، وحنا إبراهيم…
توجّهت الحضيرة الأولى بواسطة “رتراك” إلى شير الأحمر للوصول إلى زحلة.
وصلنا قرابة الخامسة والنصف صباحاً إلى شير الأحمر. كانت الثلوج تغطي المنطقة، ما صعّب عملية تحركاتنا، توجّهنا إلى مخفر مطيوحان حيث وجدنا صواريخ ميلان، كان قد تركها رفاق لنا. فحملناها وتوجهنا إلى زحلة.
قبل الوصول إلى باحينا – وادي العرايش، تعرّضنا للقصف السوري، الأمر الذي أجبرنا على الإنبطاح، غير أن انبطاحي كان في بركة ماء ناتجة عن ذوبان الثلج، ولم استطع النهوض إلا بعد محاولات عدة.
وصلنا إلى باحينا، فسمعت خبر إستشهاد رفيقنا جوزيف عفيش “في حرقات -وادي العرايش”. تمركزنا في كسّارة حيث كان البرد قارسًا. وفي اليوم الثاني، بعد أن تعرّفنا على المنطقة، وجهت إلي مهمة تأمين الإتصال كوني كنت مسؤولاً عن سلاح الإشارة في “وحدات ادونيس”.
إلى ذلك، تمركزنا حيث يجب، وكان عنصران من وحداتنا قد توجّها للكشف على متاريس متقدّمة تقع فوق “الفرزل” حيث كانت تطلق النيران بإتجاهها، عندها، تأكّدنا من مصدر النيران، التي كانت من الجبل المقابل المسمّى “قلعة العروس”، حيث أنزلت مجموعات كبيرة من الوحدات الخاصة السورية، بواسطة مروحية على قمّة القلعة، فاشتبكنا معها حتى المساء، وأنشئ خطّ دفاع تسلّمه بعض أهالي المنطقة، ومن مجموعتنا.
توجّهنا إلى وادي العرايش، والتقينا بالمجموعات المقاتلة في قاع الريم، فتوجّه عدد من مجموعتنا معهم لوقف الهجوم السوري على قاع الريم، من ناحية حزرتا -و جور حزرتا، وانقسمنا إلى مجموعتين لتأمين الجبهة كل مجموعة 48 ساعة.
أذكر عندما كنا في قاع الريم حوالى الثامنة مساء، وصلت المجموعة البديلة، وبدأت عملية التسليم والتسلّم، انطلقنا بعدها باتجاه وادي العرايش سيراً، وكان القمر بدراً، والغيوم تغطيه، بعد عشر دقائق، زالت الغيوم، وبان القمر واضاء طريقنا فانبطحنا، وانتظرنا إلى أن غطت الغيوم القمر مجدداً ثم انطلقنا، وصلنا الى مراح العلم، حيث كانت مجموعة من فرقة مغاوير متمركزة، وزالت الغيوم مجدداً، وكشفنا ضوء القمر، ففُتحت النيران علينا، ولم نجد شيئاً للإحتماء به، فانبطحنا والرشقات النارية تمرّ من فوقنا، وشاء القدر أن انفجرت قذيفة “ب-٧” على جانب الطريق، ولم نصب بأذى. عندها، قال أحد أفراد المجموعة للقائد “هيت لنديرا بشرانيه، قوموا نركض” فصدرت الأوامر بالركض. وصلنا إلى وادي العرايش، وكان الأهالي قد زيّنوا الكنائس بالشرائط، رافعين الصلوات لحمايتنا بينما كانت زحلة تتعرّض للقصف اليومي حيث استنزفنا ذخيرتنا من دون التمكّن من تأمين غيرها.
.jpg)
كنا نواظب على المشاركة في القداس أيام الأحد، فالأعمال العسكرية لم تجعل منا ملحدين بل قوت علاقتنا مع الله، وقربتنا منه، وهذا ما أعطانا المزيد من القوة للإستمرار في الدفاع عن القضية .
في أواخر حزيران، طلبنا إلى مركز القيادة في زحلة، وأبلغنا أن حيّ الميدان سقط في يد العدوّ السوري، فقيل لنا “روحوا شوفوا شو بدكن تعملوا”. للوصول الى المنطقة المذكورة، توجّب علينا صعود جبل يكشف ظهورنا لتمثال سيدة زحلة التي تمركز فيها قناصة العدوّ السوري. فأمّن رجال زحلة لنا التغطية بواسطة البنادق القديمة. وصلنا إلى حيّ الميدان، وطلبنا قصفاً مدفعيًّا، فبدأ القصف، غير أني لم أر، أي قذيفة تسقط في المنطقة المطلوب قصفها. لكني كنت أسمع على الجهاز هدف كرّر، فتبيّن لي أن قذائفنا أينما سقطت تصيب العدو نظراً لكثرة عدده. بعدها، سقطت قذيفة على التلة المتوجب قصفها، وتسبّبت بمقتل عشرين جندياً سورياً. وكانت قذائف الميدان تسقط بعيدة عنا بحوالى الـ 50 متراً فقط. إلا أنه تمّ القضاء على مجموعات العدوّ.
دامت معركة زحلة حوالى ثلاثة أشهر، وكان مخزون ذخيرتنا قد انتهى، فتم الإنسحاب إلى بيروت اثر اتفاقيات سياسية كان محورها الشيخ بشير الجميل. بقي قسمٌ منا في زحلة لترتيب الجبهات وقسمٌ أخر غادر المنطقة.. عندها إمتزج فرح الزحلاويين مع الخوف، فرح إنتهاء المعركة ورجوع الشباب إلى أهلهم، والخوف على المجموعات التي تغادر زحلة من أن تتعرض إلى مكمن أو اشكال مع السوريين على طريق العودة.
حرب زحلة كانت حرب الزحلاويين أنفسهم، فهم الذين قاتلوا جيش الاحتلال السوري منعاً لإمتداد اطماعه داخل مربى الأسود زحلة، فحاربوا في بعض المناطق داخل جبهات، بمساعدة عناصر من “القوات اللبنانية”.
غير رجالات زحلة لا يمكننا أن ننسى فضل النساء الزحلاويات الأوفياء، اللواتي ساهمن في تسهيل حياة الرفاق، وساعدن في تأمين الأمور اللوجستية. فصلواتهن، هي التي حمتنا وحمتهم وحمت زحلة طيلة الثلاثة أشهر.
من 32 سنة حتى اليوم يسجل نجيم بعضاً من مواقفه التي تظهر لنا مدى إلتزامه في قضية عمرها عمر التاريخ:
“الموت ما كان يعنيلنا شي”، كنا نتمتع بمعنويات عالية والحماس للدفاع عن قضيتنا وعن بقاء الشعب المسيحي في لبنان.
تركنا حياتنا الإجتماعية وراءنا، ومستقبلنا لم نخطط له، فالدفاع عن القضية كان شغلنا الشاغل، لم يكن استشهاد أي رفيق يؤثر على عزيمتنا ولم نخف الموت يوماً.
نحن لم نصنع الحرب ولكن استلشاء الدولة حينها أجبرنا على حمل السلاح للدفاع عن أهلنا وأرضنا”.
ما زلت حتى الان مع القضية، لا بل في القضية “وإذا كررت الأيام نفسها وعدنا إلى ذلك الزمن، فإني مستعد للمحاربة مجدداً “فنحن لها إذا هدد شعبنا وطمع الغريب بإمتلاك ارضنا”.
معركة زحلة كانت دفاعاَ عن لبنان الحر، حيث لا حرية اذا كانت منطقة عزيزة من الوطن تحت الاحتلال، ولم نهب لنجدتها.
.jpg)