يُمكن رصد نتيجة واحدة للحوار العتيد بين “تيّار المستقبل” و “حزب الله”: سيكولوجيّة.
فباعتراف الطرفين، لن يدخل الحوار في أساس الخلاف “الوطني”، أي حرب “حزب الله” في سوريّا، وسلاحه خارج الدولة مع “سراياه”، وتحييد لبنان على قاعدة “إعلان بعبدا”، وأولويّة المؤسّسات الشرعيّة.
للحوار وظيفة نفسيّة أوّلاً، هي احتواء الاحتقان المذهبي المتفجّر في المنطقة والمتمدّد إلى لبنان. ثمّ التشاور في نتائج الأزمة الوطنيّة وليس في أسبابها، أي رئاسة الجمهوريّة وقانون الانتخاب والانتخابات..
وعلى أهميّة معالجة النتائج، أو محاولة معالجتها، فإنّها لا ترقى إلى استئصال الأسباب والجذور، مع العلم أنّ النتائج نفسها ليست ملك المتحاورَيْن كي يفصلا فيها ، بل هي تقاطع مواقف داخليّة مع أطراف أُخرى، ومصالح إقليميّة ودوليّة.
وقد تلاقت كلّ المعطيات والمؤشّرات على أنّ انتخاب رئيس للجمهوريّة يصطدم بالعقدة الإيرانيّة التي ظهّرها “حزب الله” بإعلانه أنّ ميشال عون هو مرشّحه الأوحد.
إذاً، لا تُرجى نتيجة من الحوار في مجال الرئاسة طالما أنّ عقدة عون باقية تحت منشار إيران.
وقانون الانتخاب ليس في حاجة إلى حوار ثنائي “مستقبل” – “حزب الله”، لأنّه مطروح أصلاً في اللجنة الخاصّة التي تجمعهما مع الآخرين، وهناك مشروعان متقاربان يلتقي عندهما معظم الأطراف، هما مشروع نبيه برّي ومشروع الثلاثي ” قوّات – مستقبل – إشتراكي”، وبينهما الكثير من الأسس المشتركة.
وتُصبح الانتخابات النيابيّة تحصيل حاصل بعد إقرار القانون الجديد، وهي تالياً ليست في حاجة إلى حوار ثنائي.
وهناك سابقتان في إمكان التوصّل إلى تفاهمات مرحليّة لتحصين الاستقرار بدون حوارات ثنائيّة أو فرعيّة:
الأُولى، تشكيل الحكومة الراهنة. لم يكن هناك حوار ثنائي بالشكل المطروح الآن، بل تقاطعات إقليميّة وداخليّة أتاحت التركيبة الحكوميّة بشكلها المعروف.
والثانية، وضع الخطّة الأمنيّة التي نجحت في الشمال وتعثّرت في البقاع الشمالي.
والمشكلة بقيت برغم هذه التفاهمات، فلا الحكومة قادرة على التصرّف بحريّة لإنقاذ العسكريّين المخطوفين بفعل مزايدة “حزب الله” حول “الهيبة” والسيادة” ورفض المقايضة مع إرهابيّين فاوضهم وقايضهم بنفسه.
ولا الأمن الشرعي استطاع فرض سلطته على المحميّات التي تؤمّن البيئة الحاضنة للقتلة والمطلوبين والخاطفين والمهرّبين.
لا شكّ في أنّ الرئيس سعد الحريري يسعى بصدق إلى تحقيق القليل إذا لم يكن قادراً على تحقيق الكثير. يذهب إلى حوار لاحتواء الاحتقان، وتجريب “حزب الله” في تسهيل التفاهم على رئيس توافقي.
قد ينجح في الأُولى، ليس فقط لأنّه يريد ذلك، بل بسبب حاجة “الحزب” إلى غطاء داخلي تحت شعار التوافق المذهبي للاستمرار في حربه السوريّة ووظيفته الإيرانيّة.
أمّا الثانية، إنتخاب رئيس توافقي، فمسألة خامنئيّة بامتياز، تماماً مثل الممنوعات الثلاثة: سلاح “المقاومة”، الانخراط في الحرب السوريّة، وتحييد لبنان.
وهكذا، ستصبّ نتيجة الحوار في كيس “حزب الله” المحتاج إلى براءة ذمّة لسلاحه وحروبه ومشروعه. يكفيه أن يفصل “المستقبل” محكمة لاهاي ومطالبة السعودية بتصنيفه إرهابيّاً، عن الحوار.
وسيكتفي “المستقبل” بتحقيق هدفين سيكولوجيّيْن: إزاحة كابوس الفتنة عن لبنان، وكشف حقيقة مفرّغيّ الدولة وكرسي الرئاسة الأولى.
صحيح أنّ الرئيس الحريري يعمل مجدّداً تحت شعار “ربط النزاع” ولهفة أمّ الصبي، وسيظلّ يتحدّث عن ثوابت الخلاف مع “حزب الله”، لكنّ هذا الأخير لا يبالي بأدبيّات 14 آذار حول سلاحه وورطته في سوريّا، ولا يهمّه كلّ هذا الردح الذي طالما اعتبره قبض ريح.
يدخل “تيّار المستقبل” إلى الحوار بنيّاته الصادقة، وإرادته الجديّة، بحثاً عن نتائج.
أمّا “حزب الله” فبابه إلى الحوار دوّار، كعادته.
إسألوا طاولة حوار عين التينة. إسألوا مدوّنات الدوحة. إسألوا الوساطة التركيّة – القطريّة وال “س – س “. إسألوا طاولة حوار بعبدا. التاريخ لا يُخطىء.