
من يتعمق في قراءة قرار المجلس الدستوري برده الطعن المقدم من التيار الوطني الحر بموضوع قانون تمديد المجلس النيابي – تستوقفه الملاحظات الآتية:
اولا: نجاح المجلس في تلقي كرة النار التي قذفه بها السياسيون وبخاصة التيار الوطني الحر وردها لهم من منطلق ادانتهم على مخالفاتهم المتكررة للدستور بدءا من اسقاط مواعيد استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية وصولا الى تواطئهم في مجلس الوزراء على تمرير مواعيد استحقاق الانتخابات النيابية من دون اي ممانعة او تصدي لتفريغ المؤسسات. فالمجلس الدستوري اكد للتيار الوطني الحر من خلال قراره ان مخالفة الدستور لا تتوقف عند التمديد لمجلس النواب خلافا لمبدأ دورية الانتخابات بل يتعداه الى عدم جواز ربط اجراء الانتخابات النيابية بالاتفاق على قانون انتخاب جديد وصولا الى تعطيل المؤسسات الدستورية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية وتلك المحطات في كل منها للتيار موقف مخالف للدستور فيه.
ثانيا: عندما يعتبر المجلس الدستوري ان تعطيل المؤسسات الدستورية وعلى رأسها رئاسة الجمهورية انتهاك فاضح للدستور، فانما يفهم بداية التيار الوطني الحر، صاحب الطعن، بان امعانه في المساهمة في تفريغ المؤسسات الدستورية هو المسؤول عن تعطيل انتخابات تشريعية في مواقيتها، خاصة وان التيار امام كل استحقاق يقفز الى مواقف وطروحات تساهم في تأخير لا بل اسقاط المهل الدستورية والقانونية لكل استحقاق: ففي سياق تعطيل اجراء الإنتخابات الرئاسية يطلع علينا النائب ميشال عون بمشروع تعديل دستوري، وكأن البلاد في ظروف طبيعية والوفاق بين اللبنانيين على اتم ما يكون، رابطا بذلك على مدى نيف وستة اشهر اجراء الانتخابات الرئاسية بتبني مشروعه، فانقضت المهل ولا يزال لبنان الى الآن بلا رئيس للجمهورية ليعود ويتنازل عن طرحه منذ اسبوع، في معرض برنامج تلفزيوني، ويقبل بمنافسة المرشح الدكتور سمير جعجع. فماذا كان ينقص النائب عون اتخاذ هذا الموقف منذ نيف وستة اشهر؟ ولماذا بالتالي أقدم على عرقلة انتخاب رئيس للجمهورية بحجة طرح نفسه مرشا توافقيا، الا ظنا منه ان مساعيه مع تيار المستقبل سوف تؤمن له الاكثرية المطلوبة لوصوله هو دون سواه الى السدة الاولى، وكأن ليس للمستقبل حلفاء ولا تحالفات اولها مع القوات اللبنانية.
وبالتالي فإن قرار المجلس الدستوري يشكل ادانة واضحة للتيار الوطني والنائب ميشال عون في موضوع عرقلة انتخاب رئيس الجمهورية وحرمان لبنان من رئيس يعيد الى المؤسسات انتظامها العام وحياتها الدستورية .
ثالثا: كذلك عندما يرفض المجلس الدستوري، عن حق، ربط اجراء الانتخابات النيابية بالاتفاق على قانون انتخاب جديد او اي ظرف اخر، فانما يتوجه بالكلام الى التيار الوطني الحر بالدرجة الاولى، ومن خلاله الى حلفائه في 8 اذار، لان مبدأ احترام المواعيد الدستورية، مبدأ يفوق اهمية المؤسسات بذاتها، لان احترام المواعيد والمهل الدستورية هو الذي يضمن التداول في السلطة واستمرار المؤسسات، وفي هذا السياق، برع التيار الوطني الحر في تفويت الاستحقاق تلوى الاستحقاق ولا يزال خدمة لحليفه حزب الله واجندته الاقليمية التي تتطلب تفريغ المؤسسات وغياب القرار السيادي الدستوري المؤسساتي في البلاد في مرحلة خلط اوراق التفاوض على الملف النووي الإيراني وسوريا والعراق والمنطقة.
فاجراء الانتخابات النيابية، استحقاق دستوري لا يمكن ان يعلق على اقرار قانون جديد، وخاصة اذا كان الحديث عن القانون الجديد يأتي في الربع الساعة الاخير من موعد الاستحقاق ككل مرة، فتجري الانتخابات في ظل القانون القائم الى حين اتفاق اللبنانيين على قانون جديد، اما عرقلة وتأجيل الانتخابات ورفض التمديد في الوقت عينه، ففيه افراغ للمؤسسات، والمجلس الدستوري يكون بذلك قد سار في صحيح الدستور والقانون وقرر ما يمليه عليه التزامه الدستور ومبادئه العامة.
فالمجلس الدستوري في قرار رده طعن التيار الوطني الحر وضع النقاط على الحروف الدستورية، ووجه رسائله المباشرة الى التيار الوطني الحر ومن خلاله الى حلفائه، خاصة في موضوع الظروف الاستثنائية، اذ ان الظروف الاستثنائية في علم الدستور والقانون لا تكون محددة مسبقا، بحيث لا يستطيع احد ان يتكهن بانها ستمتد سنتين وسبعة اشهر…
