
على مدى تاريخها ومنذ نشأتها، لم تتردد القوات اللبنانية بأخذ الخيارات الصعبة وغير الشعبية، ولكنها الخيارات الصائبة والمصيرية على مستوى الوطن ومستقبل اللبنانيين، خيارات أوصلت القوات اللبنانية بأن تكون بكل جدارة… قوات لبنانية.
من خيار تأسيسها بحدّ ذاته، مروراً بوصول قائدها لرئاسة الجمهورية، وأخذ القرار بخوض حروب وزحلة الجبل وشرق صيدا… ومواجهة الإتفاق الثلاثي السوري وإسقاطه… وصولاً الى الخيار الأصعب، الموافقة على إتفاق الطائف، الإتفاق الذي ساهم في خروج لبنان من نفق الحرب الأهلية المظلم، الحرب التي شلّعت أوصال لبنان وقوّضت مقوماته على الإستمرار وقسّمت شعبه ومناطقه الى جماعات متناحرة متقاتلة من وراء خطوط التماس التي إرتسمت من البحر للجبل ومن الجنوب للشمال وذهب ضحيتها عشرات الآلاف. وقد أدّت تلك الموافقة الى شنّ حرب إلغاء شرسة عليها، فكان خيارها أيضاً وأيضاً، المواجهة والمواجهة، بكل قوة وعزم.
وبالرغم من معارضة مَن شنّ الحرب عليها،على ذاك الإتفاق، عاد وانضوى في كل المؤسسات التي إنبثقت عن إتفاق الطائف، وكأن شيئاَ من كل الذي حصل… لم يحصل!!!!
بالأمس، رد المجلس الدستوري الطعن الذي تقدم به التيار الوطني الحر، معتبراً أن تمديد ولاية مجلس النواب يتعارض مع المبادىء التي نصت عليها مقدمة الدستور ومع مفهوم الوكالة النيابية وفق المادة 27 من الدستور، غير أن الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد على الصعيد الأمني، يُبرر تمديد الولاية، ولكن لا أحد يستطيع أن يتكهن بأن الظروف الإستثنائية ستستمر سنتين وسبعة أشهر، وللحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسسات الدستورية.
هذا بالضبط كان المبرر الصحيح والصائب الذي أعطاه الدكتور سمير جعجع لقبول القوات اللبنانية بالتصويت على التمديد، الخوف من الفراغ الدستوري الشامل، الذي سيؤدي حُكماً الى الدخول في المجهول، وبأفضل الأحوال، الى مؤتمر تأسيسي لا يتفق المتحاورون فيه على أصغر وأبيخ التفاصيل، وبالتالي، الوصول الى الفوضى الهدّامة، والحرب الأهلية.
بعكس معارضي التمديدي الذين لم يقوموا بأي خطوة داخل مجلس الوزراء من أجل الدفع لحصول الإنتخابات النيابية، وعلى الأرجح بسبب نتائج الإنتخابات الطلابية والنقابية غير مشجعة أبداً، فالقوات اللبنانية هي أكثر فريق يسعى جاهداً لحصول الإنتخابات النيابية، بسبب الإختلال الكبير بين حجمها الشعبي وتمثيلها النيابي المتواضع، إلا أن حساباتها كانت وما زالت وستبقى، مبنية على المصلحة الوطنية العُليا، وما هو الأصح والأفضل من أجل البلاد والعباد في المدى المنظور والطويل.
وبما أن الشهادة أتت من أعلى سلطة دستورية في البلاد، وبما أن المعارضين للتمديد لا يملكون دبابات ومدافع لمواجهة القرارات الدستورية كما في السابق، ولسخرية القدر، هم ذاتهم في الأمس واليوم، ساعوا جاهدين للفراغ الشامل، فالتمديد أصبح حقيقة وواقع، الى أن تنتهي الظروف الإستثنائية، والمُعارض سينزل الى المجلس “متل الشاطر”، كما عاد ووافق على إتفاق الطائف ولو بعد حين، والفرق، لا إجتياحات وقصف، لا خراب ودمار، ولا شهداء ومفقودين… ومناطق منكوبة.. بل تمديد للشلل والتعطيل…