
أبرز ما تمكن ملاحظته في الخطاب الإيراني هو تعدد المستويات وتداخلها وتناقضها، فلا يمكن الخروج بخلاصة موحدة، ما يسمح بالمناورة وإبقاء جميع الأبواب مواربة طوال الوقت، فتصبح كل الطرق مفتوحة ومغلقة في آن واحد.
الدليل الأحدث هو الاتفاق على تمديد المفاوضات النووية، إذ تتحدث إيران عن أنه انتصار عظيم، ومرة أخرى عن ضرورة تواصل الحوار، وثالثة عن جديتها في سلمية برنامجها، ورابعة عن سطوتها العسكرية، وخامسة عن انفتاحها ومرونتها… إلى آخره.
هذه البراعة النابعة من تجربة أيديولوجية رسخت ثقافة المراوغة هرباً من الصدام الحتمي، سمحت لطهران بأن تتراجع كلياً عن أي موقف من دون انكشاف أو اتهام ظاهر بأنها خضعت أو انكسرت، كما ساعدتها في قياس التوجهات واستقراء ردود الفعل والمخاطر ومن ثم التصرف على أساسها.
العرب غير بارعين في المراوغة، يعتبرون كلمتهم منتهى وجودهم، يسيرون في خط واحد ويراهنون على صحة مسارهم، فإذا حدث أي انكسار كانت الضربة صاعقة، لذلك يعجزون عن فهم المنطق الإيراني لاصطدامهم بالأخلاق والقيم الأساسية.
سعد الحريري كان كذلك يدير حزباً فاعلاً في لبنان وهو بعيد منه. معظم مواقف “تيار المستقبل” تتحدد تحت ضغط مبادرات “حزب الله” ومواليه، فكانت مجرد ردود فعل تفتقد قوة التأثير وجاذبية الفعل الأصيل. اختلف موقفه عن والده رفيق الحريري الذي خاض الصراع السياسي من الداخل وواجه كل التحديات الصعبة التي أنهت دوره الحيوي قبل حياته، أما هو فأمضى وقته خارج لبنان مسبباً انكساراً كبيراً لائتلاف يقوده، فلا تمكن الثقة في قرارات تأتي عبر الهاتف لأنها تكتسب صفة العزلة والنأي، فلا يكون لها تأثير ولا تخلق تعاطفاً إن لم تُولِّد غضباً وإحباطاً.
في لبنان لا شيء أقوى من لغة الجسد ونظرة العين بحكم كثرة القادة والزعماء والقيادات، وارتباط مصائر المؤيدين لهم بنبراتهم ونظراتهم وجداول زياراتهم، وهي نقطة كانت غائبة كلياً في “المستقبل” لولا جهد فريد من فؤاد السنيورة ورفاقه الذين حاولوا، دون جدوى، سد الثغرة وتقليص الفجوة واستعادة الهيبة.
فجأة تغير المشهد، كأن الحريري استرجع طاقة أبيه فجاء إلى لبنان مع الدعم السعودي للجيش اللبناني، فكان لا بد لدخوله أن يعيد ترتيب الكراسي حول الطاولة لتبدأ مرحلة أخرى، ثم خطا الحريري خطوة أخرى بتصريحاته الأخيرة التي قال فيها كل شيء ولم يلتزم بشيء، استعاد المبادرة فألقى بالكرات في كل اتجاه، تاركاً للآخرين فرصة التقاطها أو إهدارها، واتجه إلى كل الأبواب المغلقة سابقاً فتركها مواربة، صانعاً أحجية مماثلة لتلك التي يمارسها “حزب الله”. انتقل من مركز رد الفعل إلى الفعل، باعثاً برسائل عدة يقتضي فهم دلالتها وقتاً قبل التفكير في الرد عليها.
أجاد الحريري الفارسية وأصولها، ما أفقد “حزب الله” فرادته السابقة، وزاحمه في منطقة نفوذه حتى أحاله مدافعاً وأحرجه في ما طرح من خيارات، فإن رفضها كان خصماً للبنان وأهله. أعاد إلى لبنان هوايته الأثيرة في فك الخيوط المتشابكة، وبث الروح في الركود المميت، ونشر تفاؤلاً بين اللبنانيين الذي نسوا حكاية الجمهورية والرئيس، وتضامن مع فريقه بشخصية متماسكة في لعبة جماعية كل أفرادها مهاجمون.
من علّم الحريري الفارسية؟ ومتى بدأ يفهم باطنها ويفك شفرتها؟ وماذا سيفعل “حزب الله” أمام من يعرف رطانته ولا تخفى عليه إشاراته؟ وكيف سيخرج من هذه الورطة غير المتوقعة؟