إن ننسَ فلن ننسى: أتقرأ كارلوس ما يكتب عنك؟!

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد 1453:

هذه حكاية شهيد لم يمت فعلاً. مضت ثلاثة وثلاثون عاماً على استشهاده وما زال حتى الأن يخاطب والدته! ذات ليلة أضاعت والدته صورته وكانت تريد طبعها على بطاقة دعوة من أجل منحة دراسية أنشأتها على إسمه، فجاء في حلم أختها وقال لها “قولي لأمي إنو صورتي بمغلف بالجارور” وفي الصباح بحثت السيدة شيراز شبيب في المكان ووجدت صورة كارلوس…

كان آخر شهيد في ذاك الحصار. حصار زحلة نيسان 1981. واحدة من أعنف معارك المقاومة المسيحية ضد جيش الاحتلال السوري. كان جيش حافظ الاسد يحاصر المدينة من كل الجنبات ويدكّها بالنار على مدار الدقائق، جحيم مفتوح على زحلة وأهلها، وزحلة تعيش عرس المقاومة، ليس أقل من هذا التعبير توصيفاً للوضع آنذاك.

كل بيت فوق كان جبهة في حد ذاته، تحوّل الناس الى مقاومين مقاتلين شرسين مدافعين عن شرف مدينتهم، جميعهم، رجال وشباب يتنقلون من جبهة الى أخرى، والنساء والصبايا تحضرن الطعام والمؤونة والاسعافات اللازمة وترسلنها الى الجبهات. أخبار  بطولات المقاومين في زحلة كانت تصل الى كل العالم، والعالم كله جلس الى الشاشات والإذاعات يسمع ويتفرّج علينا. المقاومة الزاحفة من الأشرفية وعين الرمانة وجونيه وكل المناطق المحرّرة آنذاك، كانت كلها تعبر الجبال والثلوج لتصل الى المقاومين وتشارك في القتال الضاري.

كانت حكاية وكأنها لا تحصل إلا في خيال مقاتل متقاعد، قرّر في ليلة ضجر وحنين، أن يكتب رواية خيالية عن بطولات مفترضة لوطن تحوّلت أرضه ذات عزّ، الى أرض بخور لكثرة ما ارتوت من دماء الشهداء. لكن الفارق أن الروايات في زحلة، كما في الكثير من أرض المقاومين، كانت كلها صحيحة… كلها صحيحة…

لم تتمكن العائلة من ردع كارلوس عن المشاركة في عرس النضال، هو الأكبر بين إخوته الثلاثة، كان في السادسة عشرة في صف البكالوريا، طريّ العود قليل الخبرة كثير العنفوان والحماس. لكن زحلة لم تكن لتسأل يومذاك عن أعمار مقاوميها، لا عمر للكرامة ولا سن قانونية لها، هي مولودة تولد بالفطرة من رحم الأمهات، إنهن أمهات زحلة.

“عندك أربع شباب معليش إذا واحد منن إستشهد” قال لها كارلوس محاولاً تخفيف وطأة الخوف عن قلبها، ألصق صورة قلب يسوع والعذراء على بندقيته، وذهب الى جبهته في حوش الأمراء. “زمط مني ما قدرت إمنعو وكان كتير صعب اقناعو لأن كل ولادنا تجنّدو ليدافعوا عن زحلة بس الواقع إنن كانوا عم يدافعوا عن كل مسيحية لبنان” تقول الوالدة. “تلات اشهر من القصف ما كان لازم يبقى منا مين يخبّر لولا أعجوبة سيدة زحلة وحمايتها لنا، بكل بيت كان في كنيسة زغيرة من قلوب الأمهات عم تصلي لولادنا يرجعوا بالسلامة”.

تسعون يوماً من الحصار الكامل والقتال الضاري، وقف عندها جيش الأسد الجرار على أبواب المدينة عاجزاً عن الاختراق، شهداء بالعشرات في قلب المدينة، مقاومون استشهدوا في الجبال قبل أن يصلوا للانضمام الى رفاقهم، آخرون استشهدوا تحت وطأة جروحهم الدامية من دون أن يتمكنوا من العبور الى المستشفيات، مجتمع كامل يناضل بالمستحيل، وكلما قاوم كلما زادت شراسة الاحتلال وتفجر حقده، هم قاوموا بالإيمان والصليب المرفوع تحت أنظار السيدة العذراء، والمحتل يضرب بنار الحقد اللامتناهي.

كان الأهالي يحطّمون حيطان الملاجئ ليتمكنوا من التواصل مع بعضهم البعض، ومساندة بعضهم بالمؤونة والأدوية، وكان كارلوس يطل من حين لآخر مع الشباب يتفقّد أهله والناس المقاومين أيضا. ليلة عيد قلب يسوع، وكان الملجأ مضاء بالشموع والكاهن يقيم قداساً للمناسبة، أغمضت شيراز عينيها لتصلي، وإذ بها ترى ابنها ممدّدًا، صرخت “يا يسوع ما تخليني شوف ابني هيك”.

20 حزيران أُصيب كارلوس برصاصة في صدره، تمكّن الشباب من تأمين سيارة إسعاف لنقله الى بيروت بعدما تعذّر تأمين الاوكسيجين له في مستشفيات زحلة. 30 حزيران 1981 قُرعت أجراس زحلة. انتهى الحصار. تراجع الجيش الحاقد. لم يحقق انتقامه من ذلّه المدوي في حصار الأشرفية قبل أعوام قليلة، تكرر مشهد ذلّه وإنكساره وهزيمته وانحنائه عند أبواب زحلة. خرجت المدينة من الملجأ، رفعت المتاريس وبدأت بتعداد شهدائها… العشرات العشرات، مشت في درب آلام وعيونها دامعة حزينة، لكن في الداخل، في القلب الدامي حزنا، كانت رفّة قلب تصرخ كرامة، شرف، مقاومة، عزّ لا يقابله أي عزّ في العالم.

الأول من تموز استشهد كارلوس وعاد الى زحلة في موكب عرس، هو الشهيد الأخير والوحيد الذي تمكنت زحلة من الاحتفاء به كما يليق، بعدما كان رفاقه الشهداء دفنوا على عجل بسبب القصف العنيف. “حضّرتني العدرا لأراه شهيدا وإلا كنت فقدت عقلي. ابني بالسما وهو أستاذي بالروحانيات” تتكلم عنه والدة الشهيد وكأنه موجود، “هو موجود في حياتي وليس كأنه”.

وتذكر السيدة شيراز أنها ذات مرة وكانت ذكرى ميلاده، قرّرت توزيع الحلوى على أحد المياتم عن روحه، فجاءها ليلاً في الحلم وطلب منها استبدال الحلوى بإقامة قداس عن أرواح الشهداء وهذا ما حصل. “لبنان مَرْكَع لربنا وهو بيت سيدة لبنان معقول نندم لأن قدّمنا له ولادنا”؟ تقول أم كارلوس، تلك السيدة الزحلاوية التي يعيش ابنها معها في كل خطواتها، ولأجله أصبحت رسولة المحبة في زحلة، تقوم بنشاطات إنسانية واسعة، إضافة الى رسالتها المتواصلة في الكنيسة، لأجله ولأجل كل شهداء زحلة ولأجل لبنان، وبإيحاء منه كتبت ذات ليلة كرامة في ذكرى حصار زحلة: “عندما قررت يا ولدي أن ترحل وعدتك يا حبيبي أن أنتظر، ولما يئست من الانتظار عدت إليّ بجناحي الإيمان والرجاء، ورسمت لطريقي سلّما علمتني كيف أصعد به إليك”… أليست هذه حكاية شهيد حيّ فعلا من أرضنا؟

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل