#adsense

فينيقيا أوقفي سعيد عقل…

حجم الخط

يُسجّى سعيد عقل. حان وقت الرحيل. يمخر عباب الموت في سفينة الحرف، تودعه فينيقيا ليس حزناً على عمر مديد، انما على وطن يوغل يوغل بعنف في الرحيل. كتبه ترحل معه، لبنانه يرافقه، يارا ورندلى لا تتركانه، مشوار جينا ع الدني مشوار أكيد، يغرق دافئاً هانئاً بين أشعاره ويعبر الى المقلب الآخر في بحر الكتب والابجديات.

كأنه شيء من جبيل العتيقة، كأنه بعض من صور وصيدا وبحر فينيقيا، أرى تلك الفاتنات من بحر بيروت يحملن قيثارة الايام، يلبسن أثواب الارجوان حرير الزمان، ويتنزّهن مع إليسار وأفروديت على شواطىء الآلهة.

كيف يرتبط تاريخ ما قبل تاريخ برجل من الآن، ابن بدايات القرن العشرين، 102 عاماً، لعلّها الف وعامين وأكثر، هكذا يرتسم الشعور مع مشهدية مماثلة، شاعر فيلسوف لبناني مخترع أبجديته الخاصة، لبنانه الخاص، يرقد في نعش ناووس منحوت بالشعر، محفور بقلمه وحبره وكتبه، من خشب الارز من صخر لبنان في شكل سفينة فينيقية، يعبر الى الموت عبر سفينة، هي الحياة سفينة عابرة من هنا الى هناك، الفارق ما تحمله تلك العابرة للمدى، هو أخذ معه كل فينيقيا تلك، والمفارقة ان فينيقياه جاءت الينا شخصيا لتأخذه، بدت وكأنها حاضرة بكامل رهبتها وجمالها وازدهارها وتراقص أبجديتها وحضارتها العابرة للدنيا، هنا في سيدة الويزة، على مرمى عين وشاشة ولمس اليد أيضاً.

مسجّى سعيد عقل في زمن لبناني بائس، جداً بائس، يغفو وينظر الى البعيد حيث أصبح، هو انفصل عنا منذ فترة، ليتزاوج مع لبنانه الآخر، وبقينا نحن المساكين عالقين هنا في زمن الانحدار الرهيب. كأنها نهايات ما تُرسم مع أكثر من رحيل، صباح، عاصي ومنصور الرحباني، سعيد عقل، وديع الصافي، زكي ناصيف فيلمون وهبي، نصري شمس الدين، جورج جرداق جوزف حرب وكثر كثر، كأنها سلّة مملؤة خيرات اُهرقت فوق أرض يابسة جفّ ترابها ولا ماء ومستحيل أن تثمر من جديد ثماراً مشابهة، أهو اقتصاص من السماء؟!

لا نعرف بالضبط ما سياسة السماء، وعندما نعرف لن يعود بامكاننا نقل هذه المعرفة الى الاخرين هنا، فلا صلة وصل بين الاحياء هنا والاموات أو… لعله العكس هو الصحيح؟ لكن الاكيد أن هذا الوطن يعيش عرس انحطاط لم يشهده على مدى أربعة الاف عام من الحضارة، انحطاط موصوف في كل شيء، في السياسة أم الانحطاطات، وصولاً الى الفن والفكر والابداع والانسان عموماً، كأننا جسد تعرّى تحت الريح، تناثرت أوراقنا وصرنا من دون ستر مغطّى، انكشفنا حتى النهاية وتبين لنا ان الماضي الجميل صار سحيقاً لدرجة يصعب نبشه واسترجاعه.

يسجّى سعيد عقل وتُقام له مراسم راقية تليق بكبار من هذا الطراز، كما سبق واُقيم لصباح، وأبطال التكريم هم لبنان الشعبي وليس الرسمي، وان كانت الدولة شاركت عبر موسيقى الجيش والدرك، ولكن من نظّم احتفالية صباح هم الناس، حبّهم، ومن ينظم احتفالية سعيد عقل هو عقل الناس وثقافتهم وانتماؤهم للبنان سعيد عقل، ولا يهم تلك الاقلام السخيفة التافهة الجاهلة بكل ما للكلمة من معنى، التي حاولت بغباء فاقع التطاول على هامة من هذا الطراز، لا نتوقّف عند صغار عندما نكون بحضرة الكبار.

لبنان الناس كرّم كبيراً لا يتكرر فيه، ودّعه وهو يعلم انه لن يشهد على استقبال عقل من هذه الطينة، قل عنه مجنون لبنان، قل عنه عاشق فينيقيا، قل عنه متقمّص لروح  قدموس، ذاك الذي كان يصرّ أن يقول عن فخر الدين المعني الكبير “أمير فينيقيا”، قل عنه ما شئت لكن لا تنسى أن تقول سعيد عقل الفيلسوف اللبناني مهووس لبنان “وقوليلهن لبنان بعد الله يعبدوا لبنان” ولم يفعل كثر ذلك بالطبع، ذهبوا في الاتجاه المعاكس وحوّلوا لبنانه الى جنّة الاستباحة بعدما تعبّدوا لربّين، المال والعبودية.

يعود سعيد عقل الى زحلة، نمشي خلف ناووسه، لن نقول إن جزءاً منا فيه، أبداً، هذا نعش فيه الكثير من العزّ والفكر والفلسفة والشعر والابجدية والجمال، فيه فينيقيا، فينيقيا يا عالم، نحن فارغون الآن من كل هذا، هجرتنا فينيقيا ويهجرنا لبنان، نحن نعيش فارغاً بالكاد يحمل رفاتنا المتآكلة، لكن ومع ذلك وعندما نرى ما نُحت فوق الناووس من فكر، نعود ونرى لبنانا ما نحلم بعد به ولا ضرر من الاحلام، نرى خربشات مجنون عبقري فوق بقعة الزمن، لبنان مجنون عبقري يخربش جنونه فوق صفحة العالم، ينهكه أحياناً، يخضعه أحياناً اخرى، يخضعنا حيناً ونتفلّت مراراً. هذا وطن يعشق العبثية ولعله ما زال مستمراً لانه كذلك.

سعيد عقل مشوار جيت ع الدني مشوار، فلا تنسى أن تخربش لنا بعد على صفحة الخلود حيث رحلت، تلك الحروف من تلك القصيدة “سوف نبقى يشاء أو لا يشاء الغير فأصمد لبنان ما بك وهن، سوف نبقى لا بد في الارض من حق وما من حق ولم نبق نحن”… عاشت فينيقيا بك يبقى أن تحيا بعد فينا…

بالصور: نعش من الصخر والأرز يحضن سعيد عقل وإلقاء النظرة الأخيرة عليه في جامعة سيدة اللويزة

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل