
يقول لبنانيون من العاملين في كردستان العراق ان ثمة عملية “ترانفسير” كاملة للمسيحيين والاقليات العراقية عبر مطار آربيل، حيث تقلع كل يوم طائرات محملة بأعداد منهم الى بلاد الله الواسعة، بعد عملية التطهير العرقي التي تعرضوا لها شمال العراق وتحديدا في منطقة سهل نينوى جنوب غرب كردستان.
وكان مسيحيو العراق يأملون في الحصول على نوع من الحكم الذاتي او الادارة المحلية في تلك المنطقة الى جانب الازيديين والشبك وغيرهم من الاقليات المعذبة في بلاد ما بين النهرين، نتيجة للفيديرالية العراقية التي نص عليها الدستور، لكن ما حصل ان منطقة سهل نينوى اصبحت خاضعة لحكم “دولة الخلافة الاسلامية” التي لم تترك هناك مسيحيا ولا ايا من ابناء الاقليات الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يجري في العراق.
والاخبار الواردة من كردستان تشير الى اتجاه واسع لدى غالبية مسيحيي العراق الى ترك بلاد ما بين النهرين. واللاجئون المسيحيون من بلدات سهل نينوى وقراه والذين خرجوا من بيوتهم لا يلوون على شيء، رحلوا بالثياب التي يرتدونها لا غير الى آربيل وضواحيها حيث تحكمت فيهم ازمة ثقة كبيرة وكفروا بكل شيء وما عادت الوعود والشعارات تطمئنهم الى حاضرهم ومستقبلهم، خصوصا انهم تعرضوا للغدر من اقرب القريبين اليهم ممن كانت بينهم عشرة عمر وجيرة لسنين طويلة.
الروايات التي يرويها هؤلاء عن الممارسات السيئة التي انجلت عنها غزوة “داعش” وانضمام اعداد من جيرانهم اليها اكثر من كافية لحسم الامر لدى هؤلاء المنكوبين باستحالة البقاء في بلادهم وسط هذه الاجواء، فبات خيار الهجرة والاصح “الترانسفير” الى بلاد اخرى، وفي مقدمها الدول الاوروبية الخيار الافضل بدل التكدس تحت الادراج وفي المستودعات والمباني غير المؤهلة في آربيل وغيرها من المدن اضافة الى المؤسسات الكنسية والاديرة.
لم يتبق لمسيحيي العراق سوى ناحية القوش والقرى المحيطة بها وصولا الى دهوك وبعض احياء اربيل، والثقل الاساسي للوجود المسيحي السرياني – الاشوري الكلداني من قرى وبلدات ومساحات شاسعة في مقدمها مدينة بغديدا اصبحت في يد “داعش”، والامر ينتظر قرارا من الحكومة العراقية وقيادة اقليم كردستان وربما التحالف الدولي لفرض انسحاب “داعش” ومسلحيه من سهل نينوى، لكن السؤال الكبير يبقى، هل سيعود المسيحيون والازيديون والشبك التركمان الى تلك الانحاء بعد مسلسل الرعب الذي عاشوه غداة هجوم الارهابيين عليهم؟ ومن يضمن عدم تكرار عمليات الكر والفر وعلى حساب دمائهم؟
لذا يبدو قرار الاقليات بالرحيل الاكثر رواجا وقابلية للصرف وسط قرقعة السيوف وضجيج آلة القتل. والاسوأ على ما يروي اللبنانيون العائدون من بغداد واربيل هو مشهد اللاجئين المكدسين في المطارين في انتظار السفر الى غير رجعة، ومن دون ادنى كلمة من اخوانهم في المواطنية تدعوهم الى البقاء، اذ يبدو ان ارث العيش المشترك اصبح من ذكريات الماضي.