غاب سعيد عقل. مضى بهدوء إلى زحلة بعدما ملأ الدنيا ضجيجاً وشغل الناس بكرجات بيوته المشغولة بالزمرد، ودحرجات صوته الهادر بسُبحات النجوم.
مضى الشاعر العظيم، سور الشعر العظيم، إلى فضاء أعدّه لنفسه وسعى إلى كشف بعض أسراره للمتعبدين في هيكله.
مضى نحّات الكلمة ومبدع الزواج بين جزالة النغم وعذوبة العبارة ورهافة الصورة حتى الوجع والجرح والنشوة.
مضى من انكبّ على قدمسة اللغة اللبنانية المحكية وأبجدة وطن الأرز فكرةً وابساطاً على مدى يبدأ بشَعره التمرد كأن فيه ريحاً تعصف ، ولا ينتهي بشِعره المتصلّد من صوّان صنين والمتجرد من لَبوس الأغلال الغبيّة ليتعمّد في لُجَين البردوني.
مضى سعيد عقل إلى حيث الوليمة البكر، إلى سماء يؤمن أنه سبق وعاينها في لبنانه.
لن نقف على جعجعة بل جأجأة بعض الجهلة الذين تناولوه بإسفاف من الصنف الرديء ، لموقفه الصريح في الحرب من الإنفلاش الفلسطيني الدموي ، يوم نسيَ الفدائيون الفلسطينيون أرض ميعادهم واعتقدوا لبنان وطنا بديلاً، وطريقَ عودتهم تمرّ في جونيه . وكم يشبه مقاومو اليوم فدائيي الأمس في إضاعة البوصلة.
أجل ، لقد صدمته حينها وقاحة من استغلّوا حسن الضيافة ليرتكبوا المجازر وينتهكوا الأعراض ويهجّروا ويحاصروا المدن والبلدات بما فيها زحلة.
أجل، لقد صعقه كيف يتطاول اللاجىء على أهل البيت ليخضعه ويذله بالقوة . سعبد عقل الذي كتب أروع القصائد للقدس والعودة وبيسان ، فغنتها فيروز بقلبها قبل صوتها.
اليوم نودّع رمزاً آخر بعد صباح، اللهم ارحمنا من تفشّي الضحالة والجهالة ، واعضدنا في خوض غمار الحرب المستعرة على لبنان، وكأن القدر يصرّ على سحبه من روزنامة التاريخ وصلبه بتهمة تعشّق الحرية والحب والحياة. والسلام.
