
هيَ سيرة معدة للإخراج السينمائي سلفاً، تعتمد نموذجَ الخطف الخلفي الأنيق فلا يشعر القارئ إلا وأن السطورَ ترتحل به إلى ذلك التاريخ الجاثم بين براثن الحرب الأهلية اللبنانية الطويلة السنين والأحداث.
لا شك بأنَ الكتابَ قد أعد للأنصار والوسطيين الذين لم يكتسبوا لونهم بعد غيرَ أنَ الكاتبة تعمدت عدم الاتهام المباشر أو إطلاق الأحكام إلا في الصفحات الأخيرة مشيرة بالإصبع للذين يقفون حجرَ عثرةٍ بوجه إعلان الجمهورية الثالثة، مظهرة مشروع القواتيين بأبهى الحلل وأكثرها رونقاً بين بقية الخيارات السياسية المطروحة على الساحة اللبنانية والإقليمية .
سمير جعجع. تبدأ الحكاية بطفلٍ محبب ترسمه السطور بدقةٍ سلسةٍ، موسوم بفقر العائلة وسمو الأحلام وتهبك أحداث السيرة فرحاً حين تعلم بأن البطل قد انتقل إلى منزلٍ فسيحٍ شبيه بأحلامه، وتمر على تلك البيئة الروحية التي شب فيها (بشري / وادي القديسين)، في الشمال اللبناني المنعزل نسبيا عن ضوضاء المدن المتآمرة، ولا تنتظر الكاتبة أن يجابهها القارئ بحكم أن ما آل إليه الحكيم هو ردة فعل على ما كان به من فقر مادي وعشائري طبقي، بل توحي له بأن الثورةَ كانت فيه طفلة تكبر على رفض الإقطاع السياسي العائلي وكل الاعتبارا ت القائمة على التصنيف الاجتماعي لا الشخصي.
بخطفٍ خلفي درامي، يرتحل القارئ مع صورة ثابتةٍ لعدسة الكاتبة إما بوجه الزعيم المعصب العينين أو بصورة من ذاكرته عند كل تفصيل من حاضره الآني .
تغرق متخيلاً وجه سمير جعجع، لتقرأ فيه كل الحروب سبباً ومفاعيلاً ونتائج، وبكلمات ذكية يصل إلى باطنك صورة الإنسان الذي اندمج بذاته الطب بالحرب بالحلم والحب .
رصاصة في رأس الرفيق / حذاء سَحَجَ جلدَ صاحبه بعد أيام طوال / طفلة عاليه الراقصة /نزوح أهل الجبل / وهاتف جوال حديث .
كثيرة هي العبارات المبطنة التي استخدمتها الكاتبة، لتزرع فيكَ رغم كل أسى الحرب، حباً لقائدٍ صنعَ ذاته باتباع قناعاته، التي شكلتها مسيحية أمه والتزام أبيه وقساوة الحرب الضارية وتأملات الاعتقال .
سوف تنكر علي قولي عن دهاء الكاتبة المبدع، لكن انظر ابتسامتك حين قرأتَ مشهدَ توافد الحشود والرفقاء، واستعد الذاكرة قليلا وتأمل مشهد شقةَ يسوع الملك بعيد المصادقة على قرار الإفراج عن الحكيم، سترى أن مفاعيل السرد الجميل وأثر الحب المجبول في الكلمات هو من قادك إلى لحظة ربما لم تعشها حينها لكنك مع سطور ندى صرت واحدا من المحتشدين .
لا شك أن الكاتبة اللماحة قد استفادت جدا من خبرتها الإعلانية التسويقية، صحيح أن سمير جعجع شخصية فرضت وجودها كياطر السفن ولا حاجة لتسويقها للمتابعين، إلا أنه مبهم مشوه عند الكثير من جمهور القطيع السائر خلف جرس الكبش الأكبر قرونا.
تطرح ندى مقاربات بسيطة بينه وبين خصومه في الماضي والحاضر، وبشكل موضوعي توثيقي، وتضيف في ما بين السطور حكم التاريخ. فكما أظهرت حبيقة مغمورَ الخلفية السياسية كصاحب صورة الغلاف إلا أنها عادت وأظهرت حيلَه ومراوغته التي أودت به إلى الانحناء أمام عدو السيادة والاستقلال، كذلك مع الجنرال المتحمس حد التهور كيف سقط في الأمس جندياً في حضن الأسد الأب وكيف توسد بورقة التفاهم ليرقدَ مع الأسد الأبن منسياً مع أحلامه المستحيلة بتبوء سدة رئاسة الجمهورية .
عن كتاب (سمير جعجع – حياة وتحديات) يخرج كتيب في دراسة هدف الكاتب وثناءات للشخصية البطلة، فالكتاب جميل اللغة سهل التلقف ويبوح للنفس الخصبة، غير المتسخة بأحقاد المخابرات ونظام الديكتاتور، بسمو ذات القائد زمن الحرب وتطفو بحلم الجمهورية القوية لك لمؤمن بلبنان الكلّ مع رجلٍ بعنفوان بشير وسيادة شمعون وحكمة الآباء المؤسسين من خلال سنين صرفها في تأمل دين الله ومدنية الأرض.
لندى عنيد ترفع القبعة، وتسدل الجفون حلما بوطن ينبت المزيد من شخص سمير جعجع القائد والمعتقل والزعيم الإنسان.