#adsense

لبربارة قمح السنابل ولنا… الضيعة

حجم الخط
كان المساء، وكان 3 كانون الاول، صقيع في الضيعة ينذر بثلوج، “ليلة عيد البربارة بتطلع المي من وكر الفارة”، هكذا يقول أهل الضيعة عندما يصبح “الطالع من الارض أكتر من النازل من السما”،  اشارة الى تدفق الينابيع بسبب غزارة المطر، وكانت تمطر تمطر باكراً وكثيراً.
 
لم نكن في طفولة الضيعة نذهب الى المتاجر لنتسوّق أزياء تنكّرية لليلة عيد البربارة، حسبنا والهجوم على خزانة ستي نأخذ منها ما توافر، وبعض من كنوز جدي، ونحوّل الصبيان إمّا الى عجائز  مع المنديل والكلسات السميك والثوب الفضفاض وفوقه ثلاث أربع خمس كنزات، أو نجعل منهم صبايا يلبسن أثوابا ملونة من أرشيف امهاتنا، ونطرش الوجوه بما توافر من أحمر الخدود، والعيون مدبوحة بقلم أسود من خيرات حقيبة المدرسة، اما الشفاه فحديث آخر، نسرق قلم الحمرا من خزانة امي ونمرمغها فوق وجوه الشباب فتتحول الى ما يشبه طنجرة ربّ البندورة. بينما نتحوّل نحن البنات الى شباب كبار في السن مع الشارب المرسوم ولفّة الكوفية البيضاء. وأحيانا نوفّق بطربوش من هنا أو هناك، ونتعب كل التعب لنؤمن الشروال، اذ أن جدي كان “مودرن” على الموضة ولم يلبس شروالا بحياته.
 
تسلل المساء نستعد للاجتياح وفي الامنية، غلّة يوم وافرة نلمّها من بيوت الضيعة، وفي بالنا قناعة أنهم جميعاً في انتظارنا على الجمر يتلهّفون للعرض الذي سنقدمه لهم. وأكثر من ذلك، كنا نظن ونؤمن بأن حتى أهل بيروت يعرفون بما نفعل بالضيعة وهم زعلانين، لانهم لن يشهدوا على “احتفالاتنا” ولن يشاركوا الضيعة متعة الانتظار!!!  هكذا كنا، براءة تلامس الغباء!!!
 
اذن دقّت الساعة الموعودة وذهبنا جماعات جماعات نقرع البيوت المضاءة، التي يتلألأ من نوافذها مغارة تركن في الزوايا ولهب دفء غير اعتيادي، نحمل علب التاترا الفارغة نقرع عليها بصخب، نخترق صقيع الطرق، نتحدى المطر، ونغني، طيلة الوقت نغني “هاشلة بربارة مع بنات الحارة عرفتها من عينيها… بسية بربارة والقمح بالمغارة…”.
 
نقرع الابواب تفتح لنا سيدة، نهب بالرقص كمن اصيب بصعقة كهرباء وتنطلق الاصوات النشاز في كل الاتجاهات “يا معلمتي حلّي الكيس الله يبعتلك عريس بجاه العدرا والمسيح”، واذ تصرخ بنا صاحبة البيت “نقبروا فلوا من هون لا بدي إتجوز ولا بدّي عريس”!! اففف الصدمة الاولى، قاسية، لم نعرف أنها عانس وأنها منذ قرون تنتظر عريساً لم يأت! هربنا هلعاً ولم نكمل حتى الاغنية، لا بأس نعوّض عند بيت الجيران. فتحت السيدة الباب، ضحكت لرؤيتنا، خي، تنفّسنا الصعداء وأنطلقنا من جديد “بلاطه فوق بلاطه صاحبة البيت خياطه، أركيله فوق اركيله، صاحبة البيت زنكيله“…، قلنا علّ المديح يثمر غلّة جيدة، تدخل السيدة الغرفة وتخرج لتطعمنا … بوبون!!!
 
لم نيأس، أكملنا ليلة البربارة الطويلة، من بيت الى آخر الى أخير قرعنا بقوة، خرجت سيدة تضحك وكأنها تكشّر، خفنا تلعثمنا “اركيلي فوق اركيلي صاحبة البيت بخيلة”… أنا بخيلة؟ صرخت، ودخلت الغرفة وقررنا الهروب قبل أن يكون نصيبنا شتائم مرفقة بكم ضربة كف، واذ بالسيدة تصرخ بنا “وقفوا عندكن” هو الرعب بذاته، وتقدمت منا ببسمة عريضة لتعطي كل واحد منا ليرة كاملة… يا الله هذه غلّة. جمدنا في مكاننا، غرقت في الضحك “شو  هلكتو  من القطايف والبونبون؟”…
 
عند التاسعة تنتهي المغامرة، نعود الى البيت، حرارة الطقس صفر،  وحرارة القلوب فوق المئة، قرب الصوبيا يتحلّق ابي وامي واخوتي وستي، القمح المسلوق يفقفق بدلال مفرط، حلوى توحي بما أكلته تلك القديسة الصبية عندما هربت من ظلم والدها وتغذت من قمح السنابل في الحقول، أكواب قمح مزروع وزعتها ستي حول الموقد لتنمو سريعا ونزيّن بها مغارة الميلاد. ستي ترتب منديلها وتنتظرنا لتخبرنا حياة القديسة بربارة شهيدة يسوع، وجوهنا الحمراء التي لفحها الصقيع تلتهب حبا في ليلة استثنائية.
 
نلتهم القمح، نأكل القطايف، تغرق امي بالضحك لسماع تفاصيل مغامرتنا، يطمئن أبي اننا لم نقلل التهذيب مع أحد والتزمنا الاصول، هكذا أخبرناه، نغوص مع ستي في حكاية الشهيدة الرائعة، وكيف تنكّر حرس والدها ليعرفوا أين اختبأت قبل اعتقالها وقتلها لأن اعتنقت المسيحية رغما عن ارادته…
 
هي ليلة من حكاية الضيعة، لا أقنعة هناك ولا زيف ولا من يدعون العفّة والحب، هي حكاية صفاء حكاية حب خالص بدأت بالايمان وانتهت بالشهادة… أقصد لم تنته انما خُتمت بالشهادة. ليلة فيها شيء ما من الحلم… الكثير منه. حان وقت القمح المسلوق أريد المزيد من الجوز…
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل