
إجلسوا في المنازل أمام الشاشات وتفجّعوا! استشهد من جديد عناصر للجيش اللبناني. هم جيش ليدافعوا ويستشهدوا صحيح، ولكن هم جيش أيضاً ليحييوا ويشهدوا على انتصاراتهم لاجل الوطن، ليسوا جيشاً ليسقطوا بالنقيفة، بالتقسيط، كل يوم شوي، عصفور من هنا وعصفور من هناك في غابة سنديان ساحة صيد، بينما أنتم تجلسون الى منابر التكاذب والتخاذل.
ليسوا عصافير موسمية نهرع لنقتنصها قبل أفول الموسم، هم الجيش، هم شرفنا، ناسنا، أغلى ما عندنا، أنصع ما تبقّى لدينا من جمهورية ما عادت كذلك، صارت ساحات يدوسها العار الذي لطّختم به شرف تلك البدلة!
إجلسوا أمام الشاشات راقبوا، عرسال، طرابلس، بعبلك، الحكومة، أهالي العسكريين المخطوفين، قتال “حزب الله” في سوريا، عملية التفاوض الفاشلة…هي غابة من اللاشيء المدمّر، هي ساحات استباحة يومية، استنزاف على مرّ الدقائق لتلك المؤسسة، وهي وحدها تدفع الثمن، تضحّي، تواجه بما تيسّر لكنها حتى الآن ما زالت لا تفعل ما يجب أن تفعله بالكامل، ونحن ننتظر أن تفعل. هي تدفع أثماناً باهظة مضاعفة لتغطّي أخطاء الاخرين وأي آخرين، لاجلنا لاجلكم لاجل الجميع يستشهدون، وثمّة من يريد ذلك، ضعف المؤسسة قوتهم، في تراجعها عزيمتهم، في أنكفائها تسلّطهم.
يستشهد الجيش تباعاً، هذه قداسة، هذه قضية لأجل الارض نعرف، لكن أي قضية هنا؟ هي ساحة أي معركة ولمَن ولاجل مَن؟!حتى الآن لم تتحرر ساحاتنا منهم، هؤلاء الارهابيون، حتى الآن لم ينسحب من يجب أن ينسحب من سوريا لنقول إن شهادتهم أثمرت في مكان ما، ولم يفعلوا ولن يفعلوا وسيبقى الجيش يدفع الثمن.
هل يدخل شباب الوطن الجيش ليصبحوا رهائن عند ارهابيين ورهائن حزب ورهائن سياسة ضعيفة واهنة في حكومة لا تجرؤ على اتخاذ قرار؟! هل عناصر الجيش الذين استشهدوا في رأس بعلبك، ضمن الدفعة الاخيرة من الشهداء، كانوا انضموا الى أشرف المؤسسات الوطنية ليتحوّلوا طعما لكمائن إرهابية متنقّلة، ووطن يتفرّج عليهم مكتوف الايدي، مبلوع الاصوات، مخنوق الحناجر، رهينة الارهاب في كل الاتجاهات، من خارج وداخل؟
سبعة شهداء في اقل من اربع وعشرين ساعة، هذا كثير. ولا نريد أن نعتاد على مواكب النعوش البيضاء، منذ عمر ونحن نستشهد، بغزارة المطر، ونقع خيراً على تراب ارتوى من دمائنا أكثر من مطر السماء، وسنستشهد بعد نعرف، لكن ما عدنا نريد أن نموت ليحيا آخرون لمجدهم الشخصي، نريد أن نموت وكل يوم اذا اقتضى الامر ليحيا الوطن القوي، الجمهورية الحرة، لتعود السيادة الفعلية الى كل الاراضي، وليس الى بقع مستقطعة من بقايا وبحسب مزاج السياسة وأمرائها غير الملوك غير الامراء.
أنا مواطنة من خلف شاشة وصحيفة اراقب وأسمع وأقرأ وما عاد عندي سوى حلم بسيط وان كان يتفجّر غضباً، أحلم كما الجميع بأن يبطش الجيش بجميع هؤلاء، الارهابيون ومن يساعدهم ويعاونهم سراً وعلناً، أن ينسى السياسة وما تقتضيها من تنازلات ومساومات، الا يستمع لأحد وأن يعود سيد القرار في ساحة المعركة، وفي كل الساحات والمربّعات التافهة المذلّة، هو وحده ولا شريك سواه، هو وحده بسلاحه الوحيد أن يوحّد بندقية الوطن، أن يعيد الضالين الى أرضهم والارهابيين الى السجون والموت عند أقدام أجمل أوطان العالم ولو بدا أنه الأبشع.
لا تعازي باستشهاد الابطال، أبداً. هذه حكاية فيها الكثير من العزّ والعنفوان، لا تعازي قبل أن تثمر الشهادة حرية وكرامة، وحتى الآن هي حرية مجتزأة وكرامة منقوصة. لا تعازي الآن، لأنها حرب ما زالت مفتوحة ونضال مستمر وشهادة تلو الشهادة هي نذر عليهم، هذا هو الجيش، هذا ما يفعل رغم كل شيء، ولن يتوقف رغم كل شيء. كمواطنة أرفض استشهادهم لاجل هؤلاء، ولكن كمؤسسة الجيش هم يعيشون يستشهدون لنعيش نحن ولأجل الجميع. ولكن يا وطن، كما نحب أن ننده عليكم، كل شهيد فيكم هو وطن بحاله، أما حان الوقت لتعلنوا حرب تحرير فعلية وتحوّلوا تلك الارض المستباحة الى مقبرة للغزاة الجدد؟
