#adsense

نحن أصحاب الأيادي المُلطَّخَة صنعنا لكم أشياء نظيفة

حجم الخط

كتب أمجد اسكندر في “المسيرة”: نحن أصحاب الأيادي المُلَطَّخة وحدنا صنعنا المقاومة النظيفة. كنا في مُقتَبَلِ الأعمار، مَسَحْنا شحمَ المَصانع ووَحْلَ المَزارع على ثِيابنا، وحملنا البنادق وركضنا الى الجبهات.

كثرٌ منا ذهبوا هازئين من المحتلين، مرعوبين من أمهاتهم اللواتي لم تعرف أنهم ذهبوا الى هناك إلا بعدما عادوا جرحى أو شهداء. نعم نحن أصحاب الأيادي المُلَطَّخَة، صنعنا لكم ذاكرةً بدلًا من الإبادة التي كانت تنتظركم. صنعنا لكم كرامةً بدلًا من الذل الذي كان يلاحقكم. مَسَحنا حبرَ الأقلام عن أصابعنا وضغطنا على الزناد. لم ننقل البندقية من كتف الى كتف. لم نتلاعب ببورصة الأخصام والأصدقاء. خصمنا بقي الخصم. وبقينا في متاريسنا وفي سجوننا الى أن جاء الأخصام الينا. نعم،

هم من جاء إلينا. جاؤوا الى شعاراتنا، الى أغنياتنا، فمسحنا أيادينا المُلطَّخَة ببارود المدافع وصافَحْنا وصَفَحْنا. صافحنا وعلى معاصمنا لون الأصفاد الأزرق.

في طفولتي، في بسكنتا، كان الفلاحون، والفلاحات خصوصاً، يعصرون العنب بأياديهم، ثم يمسحون عرقهم بالأيادي ذاتها ثم يعصرون ثم يمسحون. أما نحن الصغار فكنا نقفز الى تلك الأجران النُحاس ونُشارك في العصر بأقدامنا الصغيرة. أقدامنا كانت مُلطَّخَة بالتراب وكنا نقفز ونعصر. كُلُّ من أكَلَ من ذلك الدبس أو شَرِبَ من ذلك النبيذ، كان يَشكُرُ تلك الأيادي وتلك الأقدام!

أيها المسيحيون ماذا دهى بعضكم، حتى إذا ملأنا له كأس الإنتصار، عادَ لا يَتَذَكَّر إلا غبار المعارك على أيادينا؟ دعوناكم الى تنقية الذاكرة، فما لقينا منكم إلا الذاكرة الإنتقائية. اعترفنا واعتذرنا. ومَنْ غير الأنقياء يعترف؟ نعم بعض الأبرياء قُتِلَ بين أيادينا وعلى أيادينا. ولكن أية جريمة هي أفظع؟ قَتلُ الجسدِ بالرصاص أو قَتلُ الروح؟ الذي يقتل الروح، يا أيها المسيحيون، شيطان أعزل يتبجَّحُ كل يوم بأنه لم يمسك بمسدس؟

وفي بسكنتا أيضًا، وصل مخائيل نعيمة الى بيت إحدى الفلاحات على حين غرة، فارتبكت ومسحت يديها بمئزرها وصافحت ناسك الشخروب قائلة: “أعذرني على خشونة يدي”، فرد نعيمة: “أنا مَنْ يطلب منكِ الإعتذار لأن يدي ناعمة”. نحن اعتذرنا. ومخايل نعيمة اعتذر. ولا يوفِّرُ باباوات روما فرصة إلا ويعتذروا على ما حدث قبل خمسين أو خمسمئة عام. وحدهم الكبار يعتذرون، أما الصغار فتحتاج نفوسهم الملطَّخَة الى غسلٍ متكرر.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل