#adsense

“كنا هناك”: القصف أصابني وشطر رشاشي الى قسمين… جورج خطار: أصبت ونقلني أخي الى المستشفى

حجم الخط

 

 

كتبت جنى جبور في مجلة “المسيرة” العدد 1416:

في تاريخنا صفحات موجعة لا يمكننا أن نتجاهلها وكأنها لم تحصل. نحن بحاجة لشجاعة العودة إلى ماضينا ومواجهة الحقائق الجارحة بعقلانية، وهذه الشجاعة لا تقل عن شجاعة المشاركة في الحرب.

هذه العودة هي لاتخاذ العِبر حتى لا تعود الحرب ثانية، ومن أجل تنقية الذاكرة والغفران.

 

يعود جورج خطار الى مسيرته في الحرب اللبنانية عموماً وحرب الجبل خصوصاً ليقول:

 

عام 1982، كنت في ثكنة البترون، تزامناً مع الإجتياح  الإسرائيلي، طلب منا التوجه إلى الجبل لملء الفراغ العسكري في بعض القرى المسيحية. مررنا إلى المجلس الحربي واستمعنا إلى كلمة قائد القوات اللبنانية الشيخ بشير الجميل الذي أعطانا التوجيهات اللازمة. خلال صعودنا لاحظنا على الطرقات آليات مدمّرة للجيش السوري، في الفياضية وعاريا والكحالة وعاليه.

كنا مجموعة مؤلفة من 150 شاباً، انضمت إلينا مجموعات أخرى من و”حدات أدونيس” والمغاوير و”وحدات بيروت”، حتى أصبح عددنا حوالى 300 عنصر، مسلحين بكامل عتادنا.

 

عندما وصلنا إلى ساحة بحمدون، أتتنا معلومات عن حصول مواجهات في قرية قبيع حيث خضنا معركة قاسية.

 

كنا مجموعة كبيرة لم نحظَ بالوقت للتعرف الى بعضنا البعض. أذكر مرة كنت أتمشى ليلاً حاملاً سلاحي متوجهاً الى أحد مراكزنا في تلة مشرفة، مررت إلى جانب مواقع تتمركز فيها “الوحدات” فسمعت صوتاً يناديني بإسمي، لأكتشف أن أخي يوسف كان أيضاً في بحمدون، مع و”حدات أدونيس”.

 

بعد أيام جاءتنا أوامر من الشيخ بشير الجميل تطلب منا الإنسحاب، فانسحبنا إلى ساحة بحمدون وبقينا في أحد الفنادق 24 ساعة ثم عدنا إلى ثكناتنا لمدة 10 أيام. بعدها إنتخب بشير الجميل رئيساً وأتت الأوامر بالرجوع إلى الجبل.

 

 

وصلنا للمرة الثانية إلى الجبل حيث تمركزنا 15 يوماً في الملعب البلدي في بحمدون المحطة. في هذه الفترة وبينما كنا  نستمع إلى إذاعة “صوت لبنان” سمعنا خبراً عاجلاً عن وقوع إنفجار في بيت “الكتائب” واستشهاد الشيخ بشير. وكانت الصدمة كبيرة. تزامناً سمعنا صوت رصاص في عاليه إبتهاجاً.

 

أذكر مرةً صعد 3 شبان إلى قرية بتاتر. عند دخولهم تعرضوا إلى مكمن، وتمكن شاب من الهرب وأصيب آخر في رجله، أما الثالث فكان الشهيد فريد سركيس الذي لم يتمكن من تخليص نفسه واستشهد.

 

كانت المكامن في المرصاد كيف ما تحركنا، الأمر الذي أثر كثيراً على حركتنا. مرةً  كنت متوجهاً مع رفاق لي في السيارة إلى الجبل، قبل وصولي إلى مفرق بخشتيه، نفذ وقودها، مما دفعنا إلى تركها في الطريق والتوجه ركضاً إلى أقرب قرية  مسيحية. وانتظرنا حتى الفجر لنتمكن من سحبها.

 

في هذا الإطار، أتتنا معلومات عن تعرّض بعض القرى المسيحية لعمليات اقتحام، فأتت الأوامر بالرد السريع على هذه الأعمال، فدخلنا منطقة الغابون، وانقسمنا إلى  مجموعتين: مجموعة دخلت من الجهة الشرقية أي من المنصورية – بحمدون شرتون وصولاً إلى الغابون، أما المجموعة الثانية التي كنت من قوامها فدخلنا عن طريق بخشتيه.

 

 

عند وصول المجموعة الأولى إلى القرية، دارت اشتباكات عنيفة أدت إلى وقوع عدد من الشهداء. في هذه القرية إستشهد الرفيق “إلياس إلياس”، كما إستشهد 7 آخرون، وكانوا في ناقلة جند عسكرية تم تدميرها.

 

على أثر ذلك، طلب منا الإنسحاب من الغابون، وأمن لنا رفاقنا تغطية مدفعية لنجاح عملية الإنسحاب، فانسحبنا من دون أن نتمكن من سحب الجثث. وبعد مفاوضات مع الحزب التقدمي الاشتراكي تم تسليمها.

 

في سوق الغرب، تعرضنا إلى قصف قوي، كانت المرة الأولى التي أضع فيها الدرع والخوذة على رأسي، لأني فعلاً شعرت بالخطر. أخذت رشاشي “الماغ” ورحت أطلق النيران، لكنهم حدّدوا مكاني وقصفوا بإتجاهي، إنقسم رشاشي إلى قسمين، وأصبت  واحترق وجهي، ولم ترحم الشظايا أذني. كان أخي أيضَا على الجبهة، حملني وأخذني إلى المستوصف العسكري، ثم نقلني إلى المستشفى.

 

في الموقع نفسه الذي أصبت فيه إستشهد 4 رفاق، منهم الشهيد “منوال عمانوئيل”. أما  الرفيق “منير ضو”، فأصيب في كامل جسمه ونجا من الموت بأعجوبة.

 

بعد أن منعت “القوات اللبنانية” سقوط سوق الغرب، اتفقت مع قيادة الجيش على أن تتولى هذه الأخيرة محاور القتال فيها، ما أدى إلى إنتشار اللواء الثامن في هذا المحور.

حرب الجبل فيها كل العبر نتذكرها ونتذكر شهداؤها ونعمل من أجل وطن جامع حتى تكون المأساة دافعًا لسلم لطالما نادينا فيه ولمن اعتبر.

 

 

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل