بغض النظر عن كل الخلفيات السياسية والمناطقية والزبائنية التي يُحكى عنها، إن وُجدت، وبغض النظر عن ردّ الفعل المتفاوت بين مؤيد ومُنتقد وغيور وداعم، من الواجب علينا جميعاً دعم الحملة التي تقوم بها وزارة الصحة، والتي كشفت الكثير من الكوارث والمصائب التي تملأ مطاعم وملاحم ومتاجر وحتى أكبر السوبرماركات في لبنان، وبالتالي أصبح الفساد يملأ بُطون اللبنانيين أيضاً، ويفتك بصحتهم وعافيتهم.
فعلت الحملة فعلها وأجبرت المخالفين على تغيير واقعهم ليتماشى مع المعايير الصحية التي تضعها الوزارة، وهذه نتيجة فعّالة وسريعة وتبرهن لنا قوة القانون عندما يُطبق بطريقة عادلة ومتساوية، ونتمنى أن تُصبح هذه الحملة واقعاً مستدماً ويومياً يسهر على صحة المواطنين وسلامة غذائهم، كما الحال في كل البلدان التي تحترم مواطنيها.
لا يسعنا إلا أن نتوجه بالتحية للوزير وائل أبو فاعور، الذي قام بواجبه ليس إلا، في بلد تَعَود مسؤوليه على السرقة والنهب والصفقات والسمسرات وإستغلال المراكز لكسب المال والجاه وتنفيع حاشياتهم، من دون أي رقيب أو حسيب.
عظيم، لكن يوجد في لبنان 24 وزيراً ووزارات أقل ما يقال عنها، أنها مغاور لعلي بابا ومئات الحرامية منذ عشرات السنين، طبعاً بإستثناء بعض الوزراء الأوادم والمشهود بنزاهتهم، الدني ما بتِخلى، فأين الوزراء الباقون؟؟!! مع أن التباشير بدأت تلوح في وزارة المال، ولا نعلم إن كانت عدوى أم قراراً جريئاً بمكافحة الفساد!! ولماذا الإنتظار كل هذه السنين بعدما أصبح الدين العام يقارب الـ 70 مليار دولار!!!!
قرار من وزير، قلَب القطاع الغذائي رأساً على عقب، فكيف إذا إتُخذ القرار الجريء بتفعيل كل الوزارات وأجهزة المراقبة والمحاسبة وإطلاق يد القضاء وتطبيق القوانين على الجميع، مواطنين ومسؤولين على السواء من دون أي تمييز بينهم.
فلنتخيل أن ما حصل في وزارة الصحة، يحصل في وزارة الطاقة!! أو الإتصالات!! أو الأشغال!! أو…أو… أو… !!!! فكم سنحتاج لنبني بلدنا من جديد ونتخلص من الدين العام ويعود لبنان سويسرا الشرق؟!!
أحلام جميلة، ولكن هل يمكن تحقيق كل هذا، إن لم تفرض الدولة هيبتها على كل الأراضي اللبنانية ويتفق اللبنانيون على تسليم أمرهم لها وحدها دون غيرها، وينأى لبنان بنفسه عن كل الصراعات الدائرة حولنا ويضع الجميع كل إمكاناتهم لحصول ذلك؟
هذا إذا كنا حقاً نريد بناء وطن بكل ما للكلمة من معنى. لكن الواضح والظاهر حتى الآن، أن قسماً من اللبنانيين، يجر معه قسماً آخر، يأبى العيش إلا في وطن المزارع والميليشيات والمُرتزقة، وطن المافيات والعصابات، وطن التنصيب والنصب والإحتيال والسرقة، وطن الشهداء الذين يسقطون كل يوم بأرخص الأثمان، وطن الـ 10452 كم مربع ومهترىء، وطن ينفذ أجندات ومشاريع خارجية، طَمَعية في بعضها وخرافية في بعضها الآخر.
وإلى أن يتحنن الله علينا وعلى لبناننا، تبقى المبادرات الفردية واليتيمة، المُتنفس الوحيد للبنانيين، على أمل أن تتزايد… وتتفاعل.