
كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة”:
ثمة ظروف حملتهم إلى هناك، إلى حيث كانوا يسمونها غربة فحولوها إلى انتشار.
منهم من حزم أحلامه وطموحه ومستقبله في حقيبة ومنهم لا، فحمل الحقيبة ورحل من دون أن يودع حتى أهله، او يلتفت إلى الوراء. حملها ورحل قبل أن تتحول تهمة الزور إلى ملف ملطخ بتلفيقات أتباع النظام السوري، وقبل أن يكون مصيره كما كثر من الرفاق في زمن الإضطهاد. لكن القضية بقيت الهاجس الذي من أجله قرروا أن يكونوا نواة “القوات” في بلاد الإغتراب فصاروا الصوت الصارخ بإسم القضية، وحرية الدكتور سمير جعجع في زمن الإعتقال وكل الشباب.
من أبعد مسافة على خارطة العالم رفعوا علم”القوات”وحولوا الإغتراب إلى جسر عبور مع الوطن الأم، حتى قيل فيهم:”لو ما في قوات ببلاد الإنتشار ما كنا راح نشوف ارتداد مسيحيي الإغتراب لعمق ديانتن ووطنن الأم لبنان”.
حكاية الإنتشارالقواتي حكاية طويلة يروي فصولها رئيس قطاع الإنتشار انطوان بارد. وللحكاية تتمات…
هي ليست أكثر من حدود ومسافات تلك التي تفصل بين “قوات” الإنتشار ومركز رئاسة حزب”القوات اللبنانية” في معراب. عدا ذلك يصير تفصيلا. الوجع كبير؟ والشوق أكبر؟ صحيح لكن ثمة إيجابية واكثر من تلك الغربة التي فرضت قسرا على بعض القواتيين وآخرين دخلوها طوعاً. إيجابية ترجمتها مكاتب الإنتشار على مستوى التواصل والتفاعل مع البيئة الإجتماعية ومع مراكز القراركل في دولته. وبدل أن تكون “القوات اللبنانية” مجرد حزب كباقي الأحزاب إذا به يتحول الى الحزب الأكثر انتشارا وتفاعلا في المجتمع الإغترابي كيف لا وقد وصل عدد المراكز إلى 108 والخير لقدام.
أنطوان بارد الذي حمل رسالة الإنتشار التي أوكلها إليه رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع وطاف بها رسولاً يقسم الهجرة إلى ثلاث محطات:
“الهجرة الأولى أو القديمة التي بدأت في أواخر القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. والهجرة الثانية او المتوسطة التي امتدت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية أما الهجرة الحديثة فتنقسم الى قسمين الأولى بين العامين 1975و1976 حيث هاجر ما لا يقل عن نصف مليون لبناني وتوزعوا بين كندا واستراليا والثانية بين العامين 1989 و 1990 أي مرحلة حربي التحرير والإلغاء”.
ويضيف بارد”في العام 1854حمل اول مهاجر لبناني حقيبته إلى اصقاع الأرض. يومها كان الإغتراب بمثابة حالة انفصال عن الذات وانسلاخ عن الأرض. ولا يدرك المهاجر هوية الأرض التي تطأها قدماه إلا بعد مرور أعوام. عصر العولمة قلب معايير الإغتراب. حتى هذه العبارة ما عادت مقبولة في زمن تحولت فيه الكرة الأرضية إلى قرية كونية وباتت إمكانية التواصل متاحة في أقل من دقائق بعد أن كانت أخبار المغتربين تصل بعد أشهر وربما أعوام. وهناك اجتهادات كبيرة في وزارة الخارجية لاستبدال عبارة “اغتراب”بـ”الإنتشار”.

بداية الإنتشار القواتي
بدأت رحلة الإنتشار القواتي في مرحلة الشيخ بشير الجميل مع تزايد الشعور بالعزلة لدى عدد كبير من شباب المقاومة. يضيف بارد: “يومها تشكلت مجموعات صغيرة وهاجرت إلى أميركا واستراليا وكندا وفرنسا وبعض الدول غير المؤثرة. ومن حينه بدأت تتشكل عملية التواصل والهيكلية الإغترابية القواتية. لكن عدد المكاتب في دول الإغتراب كان قليلاً جداً. بعد اغتيال الشيخ بشير استمر التواصل بين قوات الداخل والإغتراب لكن بوتيرة خفيفة وتبعا لظروف البلد والأوضاع الأمنية. لكن ما لا يمكن تجاهله أن نواة الإغتراب القواتي بدأت تتفاعل في الخارج . ومع تسلم الدكتور سمير جعجع قيادة القوات تفعلت حركة الإتصالات مع الإغتراب القواتي ولكنها سرعان ما عادت وخفتت بعد اعتقاله وتضييق الخناق على شباب القوات واعتقال عدد كبير منهم وتضييق هامش حرية العمل الحزبي”.
في البال الف حكاية وحكاية، وفي الذاكرة صور لن تمحى عن تلك الأيام السود التي أطبق فيها جيش الإحتلال السوري وأتباعه على كل مفاهيم الحرية والنشاط الحزبي الذي يتعارض وسياسة النظام السوري ، فهاجر من هاجر من كوادر “القوات”، ومنهم من لم تتسن أمامهم فرصة توضيب حقيبة او وداع الأهل والأحباب. ويؤكد أنطوان بارد أن هجرة القواتيين بين العامين 1990 و1994 شكلت نقطة مفصلية في مسيرة الإنتشار القواتي خصوصاً أن الكوادر التي هاجرت حولت القضية التي من أجلها استشهد رفاق وأحباء إنجيل حياتهم اليومية، فشكلوا رأس حربة للدفاع عن قضية الدكتور سمير جعجع من خلال سلسلة تحركات شعبية ورسمية وتظاهرات ، خصوصاً أن هامش التحرك كان متاحا أمامهم في مقابل التضييق الحاصل داخل حدود الوطن.
المؤتمرات التي عقدها “قوات” الإنتشار في دول استراليا وكندا وأميركا وأنكلترا وفرنسا جاءت كلها تحت عنوان واحد: تحرير الدكتور سمير جعجع وإخراج الجيش السوري من لبنان. كما لعب القواتيون دوراً بارزاً في تحريك القرارات الدولية وهناك مواد صاغها حقوقيون وناشطون سياسيون وأدرجت في عدد من القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.
بعد خروج الدكتور سمير جعجع من الإعتقال بدأ العمل على تنظيم هيكلية الإنتشارالقواتي. فكانت نقطة البداية في تكليف أنطوان بارد مسؤولية الاهتمام بالإنتشار القواتي. عن هذه المرحلة يقول بارد: “كنت اتولى مهام مسؤول القوات في منطقة كسروان عندما سلمني الدكتور سمير جعجع مسؤولية الإنتشار القواتي. ولا أخفي شعوري بالرهبة حينذاك لأنني كنت أدرك حجم المسؤولية، لكنني قررت أن أكون على مستوى آمال القائد والشباب”.
الكلمات التي رددها الدكتور سمير جعجع أمام أنطوان بارد عند تسلمه قطاع الإنتشار لا تزال محفورة في ذاكرته. “يومها قال لي، الإنتشار يعني إنو تحرق صابيعك برا لأنو الشغل ما بيصير من بعيد. المطلوب إحتكاك مباشر مع قوات الإنتشار، وتعيش همومن وهواجسن”. كلمات الدكتور جعجع شكلت خارطة طريق لمسيرة العمل فبدأت الاتصالات مع الإنتشارالقواتي لوضع مسودة أولية عن وجود القواتيين في مقاطعات أميركا وأوروبا وأستراليا وأميركا اللاتينية الجنوبية والشمالية وأفريقيا، بالإضافة إلى بعض الدول العربية.
الخطوة الأولى كانت في عقد مؤتمر عام في السويد في العام 2007، فكانت الإطلالة الأولى لقوات الإنتشار في إطارها التنظيمي بعد خروج الدكتور جعجع من الإعتقال والذي كانت له مداخلة مباشرة عبر السكايب مع عرض شريط وثائقي عن تاريخ “القوات اللبنانية” وشهدائها، إضافة إلى لقاءات مباشرة مع نواب من داخل البرلمان السويدي.
تلا ذلك مؤتمر ثان في نيجيريا. “كانت محطة مؤثرة جدا إذ تفاجأنا بحجم الحضور القواتي في القارة السوداء مما شكل حافزاً للعمل بجدية لتحديد المسؤوليات وتنظيم هيكلية القوات في هذه القارة خصوصا أن نسبة المهاجرين فيها من اللبنانيين كبيرة جدا” يقول بارد.
من القارة السوداء إلى الولايات المتحدة وتحديداً إلى نيوجرسي حيث عقد مؤتمر في تشرين الأول من العام نفسه، لكنه لم يكن باكورة المؤتمرات في هذه المقاطعة وفي الخارج بحسب بارد. يقول: “خلال فترة اعتقال الدكتور جعجع عقدت كوادر “قوات” أميركا وأوروبا مؤتمرات عدة وكان لها الدور الفاعل والمؤثر في مراكز القرارولا سيما في الكونغرس الأميركي وأروقة الأمم المتحدة لجهة تضمين القرارات الصادرة بيانات تطالب بإطلاق الدكتور جعجع وخروج الجيش السوري من لبنان. ولا نبالغ إذا قلنا إن فكرة هيكلية الإنتشار انطلقت من هناك”.
تلى ذلك مؤتمر في أستراليا مع تكثيف الاتصالات والجولات التي اختتمت بزيارة إلى إمارة دبي للإطلاع على أوضاع الرفاق هناك خصوصا أن العدد كان كبيرا لكن العمل الحزبي على الأرض كان مقتضباً وغير مرئي فاقتصرت اللقاءات على اجتماعات مصغرة”.
25 مؤتمراً تنظيمياً وأكثر من 86 زيارة قام بها أنطوان بارد إلى دول الإنتشار تخللتها دورات إعداد فكري وتواصل مستمر ودؤوب ونشاطات دائمة في الرعايا والمراكز بالإضافة إلى التواصل الدؤوب الذي كان قائماً بين الإغتراب ولبنان من جهة والإغتراب والحكومات التي يتواجد فيها الإنتشار القواتي. هذه الحركة أثمرت في نهايتها ولادة الهيكلية الجديدة للإنتشارالقواتي وحددت عدد المقاطعات بست توزعت على الدول التالية: أميركا الشمالية والجنوبية وأستراليا وأوروبا وأفريقيا والدول العربية والخليج. كما تم تعيين 6 رؤساء ومسؤولين عنها. ووصل عدد المراكز إلى 108.
ثمة صور وذكريات عن لحظات الخروج من الوطن لا يزال يحملها قواتيو الإنتشار ويعودون إليها بغصة كبيرة أحيانا. لكن الدور الذي لعبه الإنتشار القواتي بات كافياً أقله لقلب الصفحة من دون طمس الذاكرة. يقول أنطوان بارد:”الهجرة الحديثة الثانية التي حصلت بين العامين 1998و1990 شكلت محطة مفصلية في تاريخ الهجرات اللبنانية لأنها جذبت الهجرة القديمة والمتوسطة وخلقت جسر عبور بين المهاجر اللبناني والوطن الأم، بدليل أن مهاجرين منذ 60 عاماً عادوا وتحمسوا لفكرة زيارة الوطن الأم وقد حصل ذلك بفضل هيكلية وتنظيم الإنتشارالقواتي والتواصل الذي يتم من خلال الرعايا والنشاطات التي يقيمها المسؤولون في المكاتب والمقاطعات وساهمت في إعادة ضخ الشعور بالإنتماء إلى الهوية اللبنانية والوطن كما غذت شعور الحنين إلى أرض الأجداد والإنتماء وخير مثال على ذلك المشرع الأسترالي وواضع دستور جزر القمر ستيف ستانتن (إسطفان قسطنطين) الذي هاجر اهله في الحرب العالمية الأولى من بلدة كفرصغاب في زغرتا، وتوكل عن الدكتور سمير جعجع في فترة اعتقاله. كل ذلك بفضل الإنتشارالقواتي الذي عرفه إلى “القوات اللبنانية” والقضية”.
دور الإنتشارالقواتي لم يقتصر على النشاطات السياسية مع حكومات الدول التي يوجدون فيها فالدور الديني الذي لعبه الإنتشار القواتي على مستوى الرعايا أعاد إحياء روح الإيمان المسيحي لدى غالبية المهاجرين وترجم ذلك في الإحتفالات الدينية والقداديس في الكنائس لا سيما في الأعياد والمناسبات الكبرى. ولا ننسى القداديس التي تنظمها مكاتب الإنتشار لمناسبة يوم الشهيد وذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل والتي تقام بالتزامن مع الإحتفالات في لبنان. هذا عدا عن المبادرات الفردية والجماعية التي قام بها عدد من القواتيين لشراء كنائس أو تشييد وترميم وعدد منها في دول الإنتشار.
على مستوى القرارات يؤكد أنطوان بارد أن أصغر قرار يؤخذ داخل حزب “القوات” يصل بواسطة الإنتشار إلى كل أقطار العالم في أقل من 10 دقائق ويوزع على المقاطعات كافة ومنها تتفرع التعليمات وصولاً إلى العناصر. إلى ذلك مارس الإنتشار القواتي الضغط على وزارة الخارجية والسفراء والقناصل للعمل على تفعيل مسألة استعادة الجنسية وأكد أن هناك اكثر من 15 الف لبناني تقدموا بطلبات لاستعادة الجنسية والأغلبية من اللبنانيين المهاجرين في أستراليا والفضل في ذلك يعود إلى الدكتورة فاديا بو داغر من مؤسسة الإنتشار الماروني. أما على مستوى الانتخابات فطالب الإنتشار السفارات والقنصليات في الخارج العمل على إعطاء اللبنانيين حقوقهم المدنية كافة .
في الهيكلية الجديدة للإنتشار تقرر استبدال صفة رئيس قطاع الإنتشار بالأمين المساعد لشؤون الإنتشار. هذا القرار جاء بعد استبدال عبارة إغتراب بـ”إنتشار” حيث لعبت العولمة الدور البارز في اختصار المسافات. وبات المطلوب إدارة شؤون الإنتشار من خلال الأمانة العامة لحزب “القوات اللبنانية”.
وكشف بارد عن انعقاد مؤتمر مطلع شهر آذار 2015 لوضع روزنامة عمل الإنتشار وكيفية الإستمرار في الخارج في ظل الظروف الراهنة. وختم أن نسبة الإنتساب إلى حزب “القوات” في الإنتشار جيدة وهي في شكل تصاعدي “لأننا نصر على مقولة إن الحزبي لا يجوز ان يبقى على هامش القضية ومن يؤمن بالقضية وشهدائها عليه الإنتساب لحزب”القوات اللبنانية”.

في دفاتر الإنتشار القواتي الكثير من الروايات والتفاصيل التي دونها أنطوان بارد منذ تسلمه رئاسة قطاع الإنتشار. روايات قد تخرج إلى النور ذات يوم لكن من دون وضع نقطة او خاتمة. فالقضية التي زرع بذورها القواتيون في الخارج انتشرت في كل اصقاع الأرض. بذور نمت على وفاء كل قواتي لشهداء “القوات”، وإيمانهم الذي حولوه إلى شعلة مضاءة في قلب كل مسيحي في بلاد الإنتشار. ألم يقل أحد المطارنة يوماً “لو ما في “قوات” ببلاد الإنتشار ما كنا راح نشوف ارتداد مسيحيي الإغتراب نحو عمق ديانتن ووطنن الأم لبنان”؟ فأينما كان شباب “القوات” في لبنان أو في الخارج يبقون رسلاً للقضية أو مرسلين من أجل نشرها والحفاظ عليها وتبقى مراكز “القوات” في الانتشار سفارات للبنان وللبنانيين.
