#dfp #adsense

أسرار لبنان وكنوزه في دهاليز مكتبة “الكسليك”

حجم الخط

على رفوفها تتنقّل المعرفة بين صفحات التاريخ ووقائعه، وبين الكُتب تختبئ الحقائق في ثنايا الأوراق المعتّقة، التي عاشت عصور لبنان العابرة، وناضلت محافظةً على إرثه وتاريخه، فباتت مكتبة جامعة الروح القدس الكسليك من المكتبات الأهمّ في لبنان والشرق الأوسط، لاحتوائها أرشيفاً عريقاً يؤكّد على استمرارية وطننا خلال الحقبات، ويدمغ هوية أرضنا نضالاً وكفاحاً في فضاء التاريخ.

عندما نتكلّم عن تاريخ لبنان، لا يمكن إغفال دور الرهبنة اللبنانية المارونية، التي لولا تاريخها لَما كان وطننا اكتسب هويته. فلا بدّ من توثيق هذا التاريخ الغنيّ وجَمعه في أرشيف، يُحتفظ به للأجيال القادمة، في مكان آمن وموثوق.

فاتخذت مكتبة جامعة الروح القدس هذا الأمر على عاتقها، وخصوصاً مركز «فينيكس» للدراسات اللبنانية التابع لها والذي خبّأ في دهاليزه أسرار التاريخ اللبناني، فارتفعت أهمية المكتبة ووُضعت في الصفوف الأمامية للمكتبات التاريخية التي تضمّ أرشيف لبنان وتاريخه. وبذلك تقدّمت على باقي المكتبات في لبنان لتنافس الأهمّ في الشرق الأوسط.

 

أسرار الرهبنة اللبنانية المارونية

يهدف مركز «فينيكس» للدراسات اللبنانية إلى جَمع أرشيف التاريخ اللبناني، وقد عمل منذ تأسيسه عام 2008 على إيجاد الوثائق والمعلومات المتعلّقة بتاريخ لبنان للاحتفاظ بها وإتاحتها للباحثين والطلاب. وقد نجح المركز في جمع عدد كبير من الأرشيف، على رأسه أرشيف الرهبنة اللبنانية المارونية الكامل، منذ بداياتها، والذي يتضمّن كلّ المخطوطات والروزنامات وأوراق كلّ الأديرة اللبنانية التي يعود بعضها إلى ما قبل سنة 1600 والبعض الآخر عمره 60 سنة.

لكنّ هذا الأرشيف ليس موضوعاً في متناول الباحثين والطلاب لاحتوائه أسرار الرهبنة والإكليروس. فهو أحد الكنوز التي تُخبئها المكتبة في دهاليزها، إلى جانب الكتب والمخطوطات القديمة والثمينة جداً التي تعود إلى القرن الرابع عشر.

وقد نجح المركز أيضاً في احتواء الكتاب الأول الذي طُبع في روما عام 1593، وهو كتاب الطب لابن سينا، إضافة إلى كتاب «مزامير داوود» وهو الكتاب الأول الذي طُبع في مطبعة قزحيا عام 1610.

لا يزال هذا الكتاب في أرشيف المركز الذي يعيد طبعه محتفظاً بالغلاف السرياني نفسه، أي الجلد، الخشب، التغليف، الورق، الحبر والشكل الذي طُبع به عام 1610، وذلك بالتنسيق مع متخصصين فرنسيين. وبعد انتهائه، سيصبح في متناول الباحثين والطلاب في المكتبة، في حين أن النسخة الأصليّة التي عمرها 400 سنة سيُحتفظ بها في الأرشيف.

 

تاريخ ما قبل الدولة اللبنانية

ويقول المدير المساعد في مركز «فينيكس» كارلوس يونس لـ«الجمهورية» إنّ أهمية المركز تبرز باحتوائه أرشيف ما قبل قيام الدولة اللبنانية، أي متصرفية جبل لبنان، منذ العام 1861 وحتى العام 1917. وقد وقّع المركز اتفاقية مع وزير الثقافة وقتها، تقضي بنقل مخازن مديرية الآثار من منطقة المتحف إلى جامعة الروح القدس، حيث يُعالج الأرشيف ويُصوَّر ليُحتفظ بنسخة رقمية منه في الجامعة، قبل إعادته بطريقة منظّمة إلى المديرية.

إلى ذلك، يضمّ المركز أرشيف قائمقامية كسروان لفترة ما بين عامَي 1861 و1925 حيث كان العثمانيون يحكمون المنطقة. كذلك، يحتوي على أرشيف قائمقامية البترون الذي هو في صدد المعالجة والتصوير والمحافظة رقمياً لإعادته إلى مصدره.

أرشيف رؤساء الجمهورية

إنّ ما يحفظ تاريخ لبنان هو توثيق الأحداث، وأرشيف رؤساء الجمهورية منذ قيام لبنان الكبير يُعتبر من أهم الوثائق التاريخية التي رسمت تطوّر الوطن. لذلك يعمل مركز «فينيكس» على جمع أرشيف الرؤساء، وأبرزهم الرئيس فؤاد شهاب.

وقد وقّعت الجامعة عام 2012 اتفاقاً مع مؤسسة بشير الجميّل ينصّ على اهتمام المركز بأرشيف الرئيس الشهيد بشير الجميّل. ونهار الأربعاء 10 كانون الأول، يعقد المركز مؤتمراً صحافياً لتوقيع اتفاق مع حزب الوطنيين الأحرار لجمع أرشيف الرئيس كميل شمعون.

فخلال الحرب، أُحرق قصره في السعديات حيث فُقد عدد كبير من الوثائق، ولكن يملك بعض الأشخاص صوراً تعود إلى الرئيس شمعون، سيجمعها المركز للاحتفاظ بها في أرشيفه. أمّا باقي الرؤساء فيعمل المركز على جمع أرشيفهم، وحالياً يُحضّر لجمع أرشيف الرئيسين سليمان فرنجية والياس سركيس.

 

لغز أرشيف «الجبهة اللبنانية»

يقول يونس إنّ المركز لم يجمع أرشيف «الجبهة اللبنانية» التاريخي، على رغم أنّ الاجتماعات كانت تُعقد في جامعة الروح القدس – الكسليك، ويُرجِّح أن يكون بعض من أرشيفها موجوداً في أرشيف الرئيس بشير الجميّل لأنه كان عضواً أساسياً فيها، أو أرشيف الرئيس العام للرهبنة اللبنانية المارونية السابق الأباتي بولس نعمان، ومن المؤكّد إيجاده في أرشيف الرئيس كميل شمعون حين يُصبح بعهدة المركز لأنه كان رئيسها. فهو مقسّم في أرشيفات مختلفة، ولا يعمد المركز إلى جمعها تحت عنوان واحد وهو «أرشيف الجبهة اللبنانية».

يحتفظ المركز بصورة رقمية لأرشيف يوسف بك كرم بالاتفاق مع مؤسسته، وقد أدّى دوراً رئيساً خلال فترة المتصرّفية، وعمل المركز على جمع أرشيفه من كلّ البلدان التي زارها بعد نَفيه.

يحترم «فينيكس» سريّة المعلومات الموجودة في أرشيف الرؤساء، ويعمل على عدم وضعها بين أيدي الباحثين والطلاب، وذلك احتراماً للاتفاق الموقّع مع أصحاب العلاقة، وهذا شرط أساسي من شروط الاتفاق. ويؤكّد يونس أنه لا يمكن الاحتفاظ بأرشيف الرؤساء كلّه لأنّ بعضاً من عائلاتهم يفضّل الاحتفاظ به في مكان خاص، مثل أرشيف الرئيس المؤسّس لحزب الكتائب الشيخ بيار الجميّل ورئيس الجمهورية السابق أمين الجميّل، الذي فضّلت عائلة الجميّل الاحتفاظ به.

 

تقنيّة المحافظة

 

يأخذ المركز على عاتقه معالجة الأرشيف والاهتمام به بطريقة تحفظه لمدة طويلة، وذلك عبر وضعه في مكان حيث درجة الرطوبة والحرارة تتلاءم مع الكُتب وتمنعها من التلف، كذلك تُعدّل قوّة الإضاءة كي لا تؤثر على هذا الورق. تُحفظ الكتب في صناديق مخصّصة لها، حيث تكون درجة الأحماض المغلِّفة متلائمة معها منعاً لتلفها. فكلّ هذه التقنيات مهمّة وضرورية للحفاظ عل الأرشيف لأطول فترة ممكنة، قد تمتد إلى ألف سنة.

 

فعندما يصِل الأرشيف إلى المركز، يُنظَّف ويُعقَّم ويُفرَز وفق الموضوعات التي يتضمّنها. فتوضع خطة تصنيف، ويُرقَّم بالتنسيق مع المكتبة العامة، ويُصوَّر رقمياً ليوضَع بتصرّف الباحثين. أما النسخة الورقية والأصلية، فيُحتفظ بها في صناديق تحفظ الحرارة والرطوبة للمحافظة على الورق. وهذه التقنية هي نفسها المتّبعة في الأرشيف الوطني الفرنسي، فكلّ سنة يُدرِّب متخصّصون فرنسيون في هذا الأمر، المعنيين بمعالجة الأرشيف في مركز «فينيكس».

 

يجمع المركز أرشيف الدولة اللبنانية عبر العالم، أي في مختلف البلدان الأوروبية، مثل: فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، النمسا والبلدان الأميركية، بهدف إنشاء أرشيف خاص لمكان لبنان في العالم. وتقول المديرة التنفيذية للمكتبة رندا الشدياق لـ»الجمهورية» إنّ الجامعة في صدد توقيع اتفاق مع جمعيّة في الأرجنتين لتجهيز مركز رقمي يُمكّن الجالية اللبنانية في أميركا اللاتينية تحويل كلّ الوثائق والأرشيف إلى نسخ رقمية لوضعها في متناول اللبنانيين.

 

يضمّ المركز أرشيف عائلة سرسق بكامله منذ عام 1850، التي أدّت دوراً أساسياً في تاريخ لبنان. أما الأرشيف الفني فيضمّ أرشيف وديع الصافي، المؤلف الموسيقي توفيق الباشا، الممثّل صلاح تيزاني المعروف بـ«أبو سليم»، الممثلين والكاتبين أنطوان ولطيفة ملتقى، ويعمل المركز على الاحتفاظ بأرشيف المؤلّف حليم الرومي. كذلك، يضمّ المركز صوراً رقمية لأرشيف جبران خليل جبران والياس أبو شبكة.

 

إنّ مكتبة جامعة الروح القدس هي مكتبة أكاديمية، هدفها الأول هو تشجيع البحوث وخدمة أسرة الجامعة من طلاب وأساتذة وموظّفين. وتستقبل باحثين وطلاباً من خارج الجامعة، وهذا ما يميّز نظام المكتبات، فالتعاون بين كلّ المكتبات هو دليل على التطوّر الذي يعتمد على التبادل والتواصل.

تضمّ المكتبة 180000 مجلّد وكتاب، و1600 مجلّة بمختلف اللغات.

 

ولكن الشدياق تقول: «في الموارد الإلكترونية نركّز حالياً على موضوعات العلوم والطب والهندسة فتضمّ المكتبة 90 قاعدة بيانات تؤمّن للباحث 80000 مجلّة و75000 كتاب عبر الانترنت».

 

تتماشى المكتبة مع تطوّر العصر، فتحاول تأمين الكتب على الانترنت، وتُغني رفوفها بمتطلّبات الطلاب والأساتذة. فلكلّ اختصاص ميزانية معيّنة، تحظى منها كليّتا الطب والهندسة بالحصّة الأكبر.

 

يبرز اسم مكتبة جامعة الروح القدس بين المكتبات الأهمّ في لبنان، ويعود السبب، وفق الشدياق، إلى عدد الكتب القديمة التاريخية والفلسفية واللاهوتية التي تضمّها المكتبة. إلى ذلك، إنّ تنظيم المكتبة ومركزيّتها يُعطيانها أهمية خاصة. وتؤمّن احتياجات الطلاب كافة، وذلك عبر التعاون بين المكتبات في البلدان الأوروبية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل