كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1417:
نادي غصن من المحامين الذين أمضوا 11 عامًا وهم يوقدون الشعلة لتحقيق العدالة والبراءة بلا كلل ولا ملل. من جعبة الذاكرة إختار محطات لا يجوز أن يطويها التاريخ.

(تصوير ابراهيم نصر)
انتسب الى حزب الكتائب سنة 1969 وانخرط في العمل العسكري في بداية الحرب، ثم تدرّج في العمل السياسي ومصلحة الطلاب والأقاليم. لكنه أوقف نشاطه الحزبي ولم يعد الى القوات إلا بعد تسلم الدكتور سمير جعجع القيادة في العام 1986. كان على لائحته في انتخابات حزب الكتائب عام 1992 ثم صار ضمن أعضاء الهيئة العامة في القوات في غدراس.
أول زيارة له الى الدكتور جعجع في السجن كانت ليلة جلسة المحاكمة الأولى. “كنت برفقة الأستاذ أسعد أبي رعد والزميل الاستاذ بيار حنا في تلك الزيارة. شهدت قساوة الإعتقال. كنا في مكتب الضابط المسؤول بقينا ننتظر المواجهة لبضع دقائق الى أن طلب الضابط إحضار الحكيم بنبرة مستفزّة. بعد مرور وقت سمعنا ضجّة في الخارج وإذ بأحد العسكريين يُدخل الحكيم بقوة الى حيث نحن. لم أحتمل هذا المشهد مع أنني كنت أعرف أنني أزوره في السجن وليس في مونت كارلو!! لكن الطريقة المهينة التي أحضروه بها دفعتني للإنتفاض فوقفت مقابل الضابط أصرخ ” الله معك يا حكيم أنت كرامتنا انت شرفنا …”.
تختنق الكلمات في حلق المحامي، يستعيد رهبة الموقف، رفّة القلب تعود كأنه الآن في حضرة “القائد” وهم يعتقدون أنهم ينجحون في إذلاله.
“وقتها كانت المرة الوحيدة التي التقيناه فيها من دون العازل الزجاجي، بالطبع كنا محاطين بالحراس إلا أنه تمكن من الهمس لي طالبًا أن نحشد عددًا كبيرًا من المحامين مع الدكتور إدمون نعيم. فتمكنا من حشد نحو 145 محاميًا تقريبًا حضروا في الجلسة الأولى. وتعمّدنا السير على الطريق من مكتب النقيب عصام كرم الى قصر العدل نرتدي كلنا أثواب المحاماة. وكانت تلك الصورة الشهيرة لجمهرة المحامين المستعدين للدفاع عن الحكيم. صحيح أن تلك البادرة ليس لها قيمة قانونية لكنها تشكل ضغطًا معنوياً بالتأكيد”.
يتابع غصن: “بعد ذلك إنحصرت الزيارات الى الدكتور جعجع بالمحامين الذين تولوا ملف الدفاع وأصبحت تقنيّة أكثر. كان الضغط مخيفاً في تلك الفترة على الحكيم، ومما عرفناه حينها مثلًا أنهم قبل كل جلسة كانوا يضعون كرتونة على مروحة الهواء قرب زنزانته بحيث تصدر صوتاً مزعجاً طوال الليل ليمنعوه من النوم فكان يصل في الصباح مرهقاً شاحباً من قلة النوم والتعب.

مما شهدته أيضاً أنه قبل جلسة المرافعة في قضية داني شمعون كان كتب أكثر من 100 صفحة في مرافعة حضّرها بخط يده فدخلوا عليه ليلًا وأخذوا كل الأوراق. مع ذلك وقف في اليوم التالي وأعاد تلاوة المرافعة ذاتها من دون أن ينسى أي تفصيل، فقال له النقيب عصام كرم: “حكيم شلّحتنا الروب، خلص ما نفع مرافعاتنا أنت المحامي الآن..”.
في كل الجلسات كنت أنتظره في الرواق الذي يقتادونه منه الى قاعة المحكمة، وكنت أرى كيف يُجبرونه على الركض لقطع الممر بطريقة يصل معها الى القاعة لاهثًا مرهقًا. كل ذلك كان من ضمن الضغط المعنوي الذي كانوا يمارسونه عليه بالإضافة الى ضغط الاتهامات الذي يمكن أن يوصف بالضغط القاتل، لولا عزيمته الجبّارة ومقاومته الاستثنائية.
في تلك المرحلة كان المحامون يعملون في جو من الخوف والرعب شمل الجميع. كنا ننتظر أمام المبنى في وزارة الدفاع ليسمحوا لنا بالزيارة، كنا نقف تحت الشمس والهواء والمطر ساعات. مرة شاهدت أمامي الأستاذ موسى برنس، رحمه الله، وهو يهوي أرضاً من شدة الوهن وطول انتظار الإذن بالمواجهة، فحملناه ونقلناه ليرتاح. الكل تعرّض للإذلال والضغط وهم ما كانوا يهتمّون لمحام ولا لنقيب!!.
تركّز دوري في ملف الشهيد داني شمعون على الأخص لأنهم ضغطوا في هذا الملف وكان مساره واضحًا، يريدون الحصول على نتيجة تدين الحكيم بأسرع وقت وبأي طريقة، قبل أن يتابعوا الجلسات في ملف الكنيسة.

بعد جلسة الحكم في قضية داني ما عدت تحمّلت النزول الى المحكمة، خصوصاً أنه في السياق نفسه كنت دائم النقاش مع النقيب عصام كرم. هو مصرّ أن الأمور لا بد أن تُحلّ بالقانون ولا يمكن للقضاء أن يتلاعب، الى أن كنا مرّة نمشي معاً في ممر غرفة التمييز وكانت الجلسة قائمة في الداخل، إلا أننا كنا نسمع وقائع الجلسة وصوت القاضي فيليب خيرالله خارجاً من أحد المكاتب فاكتشفنا أنها غرفة عمليات ومراقبة للمكافحة، وصدف أنهم تركوا الباب مفتوحاً. لا يمكن أن نعتبر ذلك خرقًا للقانون بالضرورة لأنها ربما تصنّف في إطار الإجراءات الأمنية، إلا أنها من دلائل حجم الضغط الذي كان يتعرّض له القضاء، ما شكل دهشة للنقيب كرم، إلا أنه لم يعلّق. لكن ما اعتبر خيبة أو صدمة فعلية للنقيب هو الأحكام التي صدرت والتي لم تأت بحجم النزاهة والعدالة التي كان يؤمن أنها ما زالت مقدّسة لدى القضاء.
أما أنا فشكلت كل هذه التراكمات نوعاً من الإنتفاضة الذاتية لديّ قرّرت بعدها ألا أعود الى المحكمة وأن أنكبّ على متابعة عمل المحامين والتنظيم ومواكبة المحامين الفرنسيين الذين كانوا يتابعون جلسات المحاكمات دائماً والتواصل مع نقابة المحامين. حتى أننا تمكنا من إقناع النقيب والأعضاء من حضور بعض الجلسات، وكان هذا إنجازاً ضخماً بالنسبة لنا نحن الذين كنا نُعامل حينذاك وكأننا مصابين بمرض السل ونُعدي!
أكملنا عملنا في جمع المحامين وتكثيف اللقاءات بيننا الى أن وصلنا الى العام 1999 حين ترشح الدكتور إدمون نعيم الى عضوية مجلس نقابة المحامين وكانت أول مناسبة لتبرهن “القوات” أن لها قوة محترمة بين المحامين.
وفي العام 2002 طلب منا الدكتور جعجع تنظيم عشاء تكريمي للدكتور نعيم، فكان حدثًا إستثنائيًا بحضور 9 أو 10 نقباء سابقين والنقيب وأعضاء مجلس النقابة، والأهم أنه كان الحدث الأول بأبعاده السياسية. وتتالت بعده النجاحات النقابية والتضامن النقابي مع قضية الحكيم حتى أن كل النقباء مذاك زاروه في سجنه. لم يكن لذلك وقع قضائي بالطبع إنما معنوي وسياسي بالتأكيد. تماماً كزيارة النائب أنطوان غانم للحكيم وكان أول نائب يزوره. يومها كنت معه وشهدت كم كانت فرحة الحكيم كبيرة بهذه الزيارة.
أذكر عندما زرته مع المحامي كريم بقرادوني، فسأله الحكيم ماذا يرى في الأفق، وكان رد بقرادوني أنه لا يرى أفقاً ولا يرى حلًا وأن السجن قد يطول للأسف، فقال له الحكيم إذا كنت أنت لا ترى أفقاً فهذا لا يعني أن الأفق غير موجود!
في إحدى زياراتنا له كنا نشرح له الوضع المتأزم في الحكومة وفي المجلس النيابي وكم أن الوضع السياسي شائك. عندما انتهى وقت الزيارة، قال لنا “الله يساعدكم الى أين تذهبون؟ أنا سأنزل الى حريتي”!

براءته وحريته المعنوية لم يكن ليصدقها إلا من عرفوه. أذكر أن غبطة البطريرك صفير، في البداية، كانت لديه بعض الشكوك بسبب الأجواء والمعلومات التي نقلها إليه بعض ضباط المخابرات، فطلب مني أحد المقربين من بكركي آنذاك أن أحضر له فيلم In the Name of the Father الذي يروي قصة سجين ألصقت به تهمة تفجير إرهابي في لندن فقط لأنه من أصل إيرلندي، وذلك ليشاهده البطريرك. لم نجد نسخة من الفيلم في لبنان فأحضرته ستريدا من فرنسا. عندما شاهده البطريرك كما روى صديقي الوسيط ذُهل وصدّق حينها كم يمكن لأجهزة المخابرات أن تُفبرك مؤامرات وقضايا وأن تلصقها بأبرياء فقط لأنهم أخصام سياسيين.
… هذا كان دوري خلال 11 عاماً، زرته عشرات المرّات في سجنه، وكنت في كل مرّة أكون محبطًا أستمد منه قوة ومعنويّات.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.