
لم يكن ينقص قضية العسكريين المخطوفين تعقيد حتى أتى القرار القطري ليزيدها تأزماً، وذلك إثر التطور الخطير الذي تمثل بإعدام الدركي علي البزال، حيث أبدت أوساط متابعة لصحيفة “السياسة” الكويتية تشاؤماً بالغاً في هذا الصدد لاعتبارات عدة:
أولاً: إن الجهات الخاطفة هي تنظيمات إرهابية لا تقيم للقيم الإنسانية اعتباراً، كما أنها لا أخلاقية في سلوكها السياسي وهمجية في أدائها العسكري. ويضاف إلى كل ذلك، أن تنظيمي “داعش” و”النصرة” خارجان عن أي معايير قانونية ويتصرفان وفقاً لأهوائهما ومصالحهما من دون اعتبار لأي منظومة حقوقية أو أصول أو أسس يقوم عليها أي تفاوض. كل ذلك يصعب مهمة الحكومة اللبنانية في السير جدياً في المفاوضات لإطلاق المخطوفين.
ثانياً: همجية الإرهابيين تقابلها في الجهة اللبنانية الرسمية فوضى في إدارة الملف, نتيجة الخلاف السياسي القائم داخل الحكومة وبسبب الانقسامات المستمرة. فـ”حزب الله” تأخر كثيراً ليوافق على مبدأ التفاوض والمقايضة، ثم أتى الدور على قوى أخرى لتزايد في هذا المجال. وثمة مواقف لقوى ثالثة تحاول أن تكون مرنة لإيجاد مساحة حلحلة للأزمة، إلا أنه إزاء تصلب الإرهابيين تبدو هذه القوى وكأنها تتنازل مجاناً من دون مقابل .
ثالثاً: بالإضافة إلى التخبط الرسمي ثمة عفوية في التحركات الشعبية كرد فعل على تهديد أو كتجاوب مع اتصال من الجهات الخاطفة. صحيح أن كل اللبنانيين يتعاطفون ويتضامنون مع أهالي العسكريين المخطوفين، إلا أن هذه العفوية لها معنى واحد في السياسة أنها عشوائية تضر بالموقف الرسمي وتفسد أي تفاوض جدي وتقدم خدمة مجانية للخاطفين. ولعل في قضية البزال خير دليل، إذ استغل الإرهابيون محنته والتهديدات المتكررة بذبحه وجعلوا الأهالي يضغطون على الحكومة لتلبية مطالب خاصة بهم, مثل الحصول على مؤن وملابس وأموال ووقود تدفئة، وفي المحصلة مارسوا الغدر بأبشع صوره بقتل البزال.
رابعاً: ثمة من يتحدث عن عدم وجود تنسيق بين الأجهزة المعنية في ما خص مكافحة الإرهاب عموماً ومعالجة قضية المخطوفين خصوصاً. وإذا صح ذلك فإن في الأمر كارثة. ولعل من أبرز المظاهر الشاذة لذلك، تسريب معلومات سرية تتعلق بتوقيف إرهابيين، أو بتفاصيل التحقيقات معهم.
في الخلاصة تفيد التجارب الناجحة في التفاوض وإطلاق الرهائن أن الشرط الأول للنجاح يكون الندية بين الجهتين، فإذا كانت الجهة الخاطفة مصممة وحازمة وقوية، فينبغي أن تكون الدولة اللبنانية في مواجهتها، أكثر تصميماً وحزماً وقوة. وأساس كل ذلك أن تكون موحدة في قرارها وليست دويلات متعددة بقرارات خارجية.
