السوريون والاشرفية ومعركة من حرب المئة يوم

المقاومة اللبنانية حفظت الارض والعرض وعلّمت الاعداء امثولات في الشجاعة وحب الوطن، انه تاريخ ناصع كبياض صنين ومغروس في الارض كأرز لبنان، فلا صنين غيّر لونه ولا الارز طأطأ رأسه…

في 15 حزيران 1978، انسحب السوريون من مركزهم الواقع على ساحة التباريس بناية الدقدوق. وفي 30 حزيران 1978 انطلقت مجموعة من المقاومين من القسم العاشر التابع لمنطقة الاشرفية الكتائبية الى المركز الذي كان يحتله السوريون والذي يبعد حوالى 200 متر عن مركزهم لاستكشافه والتحضير للإنتقال إليه إذ ان نقطته تعد إستراتيجية نظراً لوقوعه على أحد مداخل الأشرفية.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

منذ العام 1977 والاشتباكات كانت تقع بين المقاومين والسوريين خصوصاً بعد ان قاموا بإغتصاب عدد من الفتيات، بشكل وحشي لدى توجههم إلى بناية الدقدوق نظراً لإمتلاء هذا المبنى بالعيادات الطبية والمختبرات بالإضافة لمحاولات التحرش بمراكز المقاومة اللبنانية وخطف بعض عناصرها الذين كان يفرج عنهم بعد تدخل القيادات المسيحية ولكن بحال يرثى لها.

قبل بدء حصار الاشرفية، وإنطلاق حرب المئة يوم التي اندلعت في 1 تموز 1978 واستمرت حتى 7 تشرين الاول من العام نفسه، كان الجو الامني ضاغطاً وخطيراً و كانت كل المؤشرات تدل على ان حرباً ستقع. اتفق شباب القسم العاشر وقسم الرميل الأول ان يقيموا حاجزا في وسط ساحة التباريس وكانوا يتناوبون عليه.

بعد ظهر 30 حزيران، كانت خدمة مجموعة الرميل على الحاجز وكان هناك عنصر من القسم العاشر معهم واقف على زاوية شارع لبنان وفيما كانوا يتحدثون، توقفت سيارة سرفيس فجأة وترجل منها ثلاثة عناصر سوريين وبدأوا بإطلاق النار على شباب الحاجز فأصيب قسماً من الشباب وقسم أخر اختبأ من النيران، فما كان من الشاب الذي كان من القسم العاشر الواقف بعيداً عنهم مسافة 25 متراً والذي لم يتنبه له السوريون ان اطلق نيران بندقيته عليهم فارداهم ثلاثتهم. بعدها بعشر دقائق بدأت المجموعات الصديقة بالتوافد لمعرفة ما حصل. ومن ثم أتى الصليب الاحمر ونقل الجثث الى المستشفى.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

ساحة التباريس كانت مكشوفة على مبنى أبو حمد ومبنى برج رزق، وقد نصب السوريون على سطحه راجمة عيار 107 ملم، وما إن تم سحب الجثث حتى اطلقت هذه الراجمة عدة صواريخ على عناصر الحاجز، فأصيب كل من غسان كنعان بيده ومانو فاضل بفخذه ونقلا الى المستوصف لسحب الشظايا. بدأ السوريون بالقنص فوراً، فإستشهد عدة مواطنين كانوا يمرون بالمنطقة وجرح آخرون، مما دفع عناصر المقاومة الى وضع باصات “كساتر” لعزل الرؤيا ما يقي المواطنين خطر الإصابة.

إنطلقت معركة المئة يوم في 1 تموز 1978 بعد ان تعرض الشيخ بشير للتوقيف على حاجز سوري وكانت حامية الوطيس حيث اقفلت كل مداخل الاشرفية بالاوتوبيسات وبالنار. ففرقة الصخرة المشهورة بحنكتها وبسالتها العسكرية اهتمت بمدخل جسر فؤاد شهاب، و”الوطنيون الاحرار” بالسوديكو والقسم السابع كانا على البرجاوي وفرقة التيوس على اوتيل ديو. لم يبقَ إلا طريق البرجاوي حيث كان للسوريين مركز كبير يحوي الوحدات الخاصة السورية وكل الطريق المؤدي إلى مخفر الاشرفية وصولاً إلى بارتي كان بتصرفهم. حينها قرر شباب القسم العاشر التوجه إلى هذه المنطقة وبالتحديد الى شارع عبد الوهاب الانكليزي وسد هذه الثغرات. لم توافق قيادة المقاومة حينها على هذا التحرك ولكن قرر الشباب التحرك علماً ان هذه الثغرات سيستغلونها ليتسللوا منها ويحتلوا مبنى سكن الشيخ بشير الجميل الذي كان على مرمى حجر وتطويق مراكز الاحرار ايضاً.

اثر ذلك، توجهت مجموعة من القسم العاشر ليلاً للإستكشاف وتحديد نقاط التمركز مع احتساب العديد وتحضير اللوجستية. حيث وصلت المجموعة إلى آخر مركز توجد فيه قواتهم ومن هناك بدأت بعمليات رصد واستطلاع القوات السورية العدوة وتحديد العديد وطريقة خدمتهم في المركز وبعد اكتمال التحضيرات وضعت الخطة.

صباحاً وبعد اكتمال التحضيرات، توجهت فصيلة من القسم العاشر بسيارات مدنية وانتشر عناصرها بسرعة خاطفة على مدخل ثلاثة ابنية بمعدل حضيرة (تسعة عناصر) لكل بناء. وبعدها طلبوا من القيادة أن ترسل تعزيزات بشرية ولوجستية، لكنها تحفظت نظراً لعدم رضاها على هذا الانتشار.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

بدأ الشباب ببناء التحصينات وإقفال البوابات مع فتح طرقات عسكرية لربط كل المباني بممرات محمية حيث تم بناء متاريس في الاماكن المواجهة للعدو السوري وانشاء الدشم الترابية، كما وضعت المستوعبات الكبيرة والباصات المحترقة من أجل حجب الرؤية. طالت فترة بناء التحصينات اسبوعا كاملاً.

نشبت معركة كبيرة على “كيك هاوس” على نزلة السيدة في الاشرفية وعند انتهاء المعركة وإنسحاب ما تبقى من الوحدات الخاصة السورية الى مبنى برج رزق، بدأ السوريون بتحضيرهم لهجوم كبير يبدأ بتسلل وتمركز ليلاً بهدف التقدم من بناية أبو حمد الى صيدلية بارتي والخط المواجه لمطعم نصر.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

في نفس الليلة، توجهت مجموعة صغيرة من المقاومين الى آخر بناية على خط الجبهة الجديد والوحيدة المفتوحة لكونها لا تزال قيد الانشاء وذلك لبناء تحصينات على مداخلها وسد آخر ثغرة، ولم يعلم المقاومون ان هدف السوريين تلك الليلة هو هذه البناية. مهد السوريون تسللهم بقصف كمية كبيرة من القنابل المسيلة للدموع وقذائف الهاون عيار 82 ملم مترافقة مع صواريخ “سبيغوت” الروسية الموجهة الى الطوابق العليا.

في ذلك الحين لم يكن تدريب المقاومين على افضل حال نظراً لضيق الوقت وشهية الجبهات للمقاتلين، فلم يعلموا كيف يواجهون القنابل المسيلة للدموع إلا بعد الاتصال بفرق الصليب الاحمر الذين دعوهم الى استعمال الاقمشة والمناشف المبللة بالماء وعدم البقاء طويلاً بين دخان هذه القنابل. و كذا قسّم المقاومون انفسهم الى مجموعات صغيرة تتبادل دورياً المتاريس وبدأ الرد على السوريين.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

تزامناً دخلت مجموعة سورية الى مبنى “العضم” واشتبكت مع خمس مقاتلين موجودين في المكان فراحوا يتصدون لهم بشراسة وبمعنويات عالية والكتف على الكتف. تزامناً وصلت مجموعة من المغاوير وساعدت الشباب بدحر المجموعة المهاجمة. فانسحب بعدها السوريون واحصي وجود 5 جثث للسوريين بقيت في الارض. وفي 30 ايلول 1978، تسللت مجموعة سورية نحو المركز الذي يتحصن فيه المقاومون ومجموعة أخرى الى بناية “بابا سمير” وتمركزت فيه تحضيراً للهجوم الأساسي على مبنى صيدلية بارتي، و الذي كان يتحصن فيه صاحب الصيدلية ميشال بارتي مع خمسة من مرافقيه.

دارت اشتباكات، عنيفة دامت حتى انتهاء ذخيرة مجموعة الشهيد بارتي فطلب عندها من مجموعته الإنسحاب قبله ليعود ويتبعهم. كان بحوزة بارتي “م 16” مزودة بقاذف لانشر. عند انسحابه تعرض لرصاص غزير حيث اصابت رصاصة قاذف اللانشر الذي كان مزوداً بقذيفة مما أدى الى انفجارها و بترت يده فسقط ارضاً. لعدم وجود وسيلة إتصال معه لم يعلم أحد ماذا حصل. اتى الدعم من قيادة بيروت حيث ارسلت مجموعة الى المكان وعند دخولها وجدت الشهيد بارتي على الارض والدماء تنزف منه. وكان بحوذة مجموعة الدعم قاذف “كارل غوستاف” مع قذائف حارقة وأخذت ترميها على مبنى “بابا سمير” مما جعل السوريون يقفزون من المبنى والنار تلتهمهم. ووصلت أيضاً مجموعة من المغاوير الذين دخلوا المبنى ومشطوه. لم ينجُ من المجموعة السورية سوى قائدها الذي فر هارباً، أما البقية قتلوا بمعظمهم وأسر ثلاثة منهم.

هذه المعركة لم تكن الوحيدة في حرب المئة يوم ولكنها كانت الأقوى والأشرس سقط فيها رفاق شهداء، ولكن مع سقوط كل شهيد كانت المعنويات ترتفع لأن سقوطهم على مذبح الوطن كرس الارض لأصحابها الاصليين ولعن التاريخ الغزاة، وما يحصل للنظام السوري اليوم ليس سوى لعنة تاريخ المقاومين اللبنانيين عليهم.

نقلاً عن جوزيف حكيّم

نقلاً عن جوزيف حكيّم

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل