
أحيت عائلة تويني وجريدة “النهار” الذكرى التاسعة لاستشهاد النائب جبران تويني بصلاة لراحة نفسه، ترأسها متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الارثوذكس المطران الياس عودة، عند الاولى من بعد ظهر اليوم في كنيسة القديس ديمتريوس في الاشرفية، وحضرها النائب محمد قباني ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوزير رمزي جريج ممثلا رئيس مجلس الوزراء تمام سلام، السيدة جويس الجميل ممثلة الرئيس أمين الجميل، الرئيس حسين الحسيني، النائب عاطف مجدلاني ممثلا الرئيس سعد الحريري، الوزيران ميشال فرعون وبطرس حرب، سفير الولايات المتحدة الاميركية دايفيد هيل، المستشار الثاني في السفارة الفرنسية جان كريستوف اوجيه ممثلا السفير باتريس باولي، النواب: سيرج طورسركيسيان، نديم الجميل، جان اوغاسبيان، هاغوب بقرادونيان، نضال طعمة، زياد القادري وغسان مخيبر”.
كما حضر الوزراء السابقون: زياد بارود، نائلة معوض، محمد رحال، عدنان القصار، وديع الخازن وجوزف الهاشم، النائب السابق لرئيس مجلس النواب ميشال معلولي، النواب السابقون: ادمون رزق، جميل شماس، الياس عطاالله، طلال المرعبي وصولانج الجميل، نقيب الصحافة محمد البعلبكي، نقيب المحررين الياس عون، منسق الامانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد، المستشار الاعلامي السابق في رئاسة الجمهورية رفيق شلالا، الاعلامية مي شدياق، مستشار الرئيس سعد الحريري الدكتور داود الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب شاكر عون ممثلا الحزب، المطران بولس مطر، الرئيس السابق لمرفأ طرابلس انطوان حبيب وشخصيات سياسية وديبلوماسية.
بعد تلاوة الانجيل، ألقى عودة كلمة قال فيها: “لا يزدرى نبي إلا في وطنه وبيته (متى 13: 54-57)، (يو 4: 44) الوطن ليس قطعة أرض مسلمة لنا من الله هبة وحسب، بل هي مقر لله يقيم فيها كما هي حال كل قطعة أرض. وهي منطلق يرتفع منها الإنسان إلى الوطن السماوي، لأنه ليس لنا ههنا أرض أو وطن باق بل نتوق بكل إيمان أن ننطلق إلى وطن أفضل: “ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة” (عب 13: 14). وحتى ساعة الانطلاق نستقر في وطن أرضي. لذلك يبقى حب الوطن بالنسبة لنا واجبا، امتدادا للحب العائلي. بعدئذ تصبح السماء لنا الوطن الحقيقي”.
أضاف: “لكن السؤال ما هي علاقتنا بالإنسان المواطن؟ أليست هي علاقة محبة؟ ألم يقل الرب يسوع “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها. تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء”؟ (متى 22: 37-40). ألم يقل أيضا “من أراد أن يكون فيكم عظيما فليكن لكم خادما؟ ومن أراد أن يكون فيكم أولا فليكن لكم عبدا؟ كما أن ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين” (متى 20: 26-28)”.
وتابع: “منذ أولى صفحات العهد الجديد إلى آخرها يظهر حب الآخر غير قابل للانفصال عن الحب الإلهي. الآخر هو أخي. نقرأ في رسالة يوحنا الأولى: “لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج” (1 يو 4: 18) و”إن قال أحد إني أحب الله وأبغض أخاه فهو كاذب. لأن من لا يحب أخاه الذي أبصره كيف يقدر أن يحب الله الذي لم يبصره. ولنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضا (1 يو 4: 20-21)”.
وقال عوده: “المحبة لا تعرف اليأس بل تتميز بالصفح بدون حدود. تقدم بطرس إلى يسوع وقال “يا رب كم مرة يخطىء إلي أخي وأنا أغفر له. هل إلى سبعِ مرات. قال له يسوع لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات” (متى 18: 21-22). كذلك تتميز المحبة بالمبادرة الطيبة نحو الخصم، وبالصبر وبمقابلة الشر بالخير. يؤكد بولس الرسول أن لا قيمة لشيء بدون المحبة، والمحبة لا قيمة لها إن كانت لمصلحة. لذا يقول الرب يسوع “أحبوا أعداءكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. باركوا لاعنيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم” (لو 6: 27-28)”.
أضاف: “نقول هذا فيما نجتمع للمرة التاسعة لنصلي من أجل راحة نفس جبران الذي أحب وطنه حبا عظيما وعمل من أجله حتى آخر رمق فيه، وأعطاه كل ما كان يملك، حتى حياته. في إحدى مقالاته قبيل استشهاده كتب: “الله يختار الأقرب منه ليحمله رسائل الإيمان والحق… أما رسالة القيامة الحقة فهي مكلفة جدا لأن لا فعل قيامة من دون فعل قتل وموت”. يتابع: “باسم من استشهد ليحيا الوطن، باسم كل صحافي سقط دفاعا عن رسالتنا المقدسة… باسمهم جميعا نعود لنؤكد أننا سنستمر في قول الحقيقة لأنها وحدها تحرر”.
وتابع: “جبران كان إنسانا مؤمنا بالله، محبا له وعاملا بحسب مشيئته. كان يعرف أن الله هو الطريق والحق والحياة، وأن معرفة الحق تحرر وقول الحقيقة واجب. لذا سعى إلى قول الحقيقة مهما كانت قاسية، ومهما كانت عواقبها قاتلة. كان يعرف أن الله محبة وأن الوطن يخلص بوحدة أبنائه ومحبتهم بعضهم لبعض بصدق وبلا مصلحة. مما كتب: “إن المحافظة على الإستقلال تكون بتعزيز إيماننا به وبوحدتنا”. وفي مقالة أخرى كتب: “لا حقد بعد اليوم ولا خوف ولا غبن. إنها صفحة جديدة تفتح أمام اللبنانيين ومعها فرصة ذهبية أخرى من أجل تكريس وحدتهم الوطنية التي وحدها تحصن نهائيا استقلالهم وسيادتهم. وإذا كان القهر وحدنا في السابق كما وحدتنا أخطاؤنا المشتركة، فإن الوقت حان لأن توحدنا محبتنا لبعضنا البعض ولأرضنا المقدسة، فنضع معا رؤية مشتركة لبناء وطن كلفنا الدفاع عنه أكثر من مئتي ألف شهيد”.
وقال: “ما يحزننا أن عدد الشهداء يزيد كل يوم، ولم يتعظ اللبنانيون ولم يدركوا بعد أن ما يجب أن يجمعهم هو حبهم لوطنهم وإخلاصهم له وحده. ولكي لا تذهب دماء الشهداء هدرا، حان الوقت ليعوا أن عليهم فتح صفحة جديدة كما كتب جبران “وأن يغيروا النهج القديم الذي يعتمد الهجومية والتخوين والتهديد بدلا من التحاور والتفاعل. إن المشاركة في الحكم على أساس الديمقراطية تعني الحوار وقبول الآخر والتفاعل معه من أجل التوصل إلى قواسم مشتركة تحترم خصوصا ثوابت مفهوم الدولة السيدة والحرة وقواعد النظام البرلماني فضلا عن قواعد الدولة المستقرة”.
أضاف: “هذا الشاب المليء بالحياة، كان يحلم بوطن حر مستقل موحد، ديمقراطي، متطور، مبدع. لذا لم يمنعه انتماؤه السياسي من مد اليد إلى الآخرين ودعوتهم إلى التحاور والتفاعل من أجل لبنان. لكن يد الغدر كانت أطول من يده فامتدت مسرعة إليه لتسكت ذاك الصوت الذي صدح عاليا بقسم يدعو إلى وحدة اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، إلى أبد الآبدين، دفاعا عن لبنان العظيم”.
وختم: “لنرفع الدعاء معا من أجل أن يكون جبران ورفيقاه وكل الذين استشهدوا من أجل لبنان، في جوار ربهم، يمجدونه مع الملائكة والأبرار، يصلون من أجل أن يخلص الرب الإله لبنان ويمنع عنه وعن اللبنانيين كل شر وحزن وألم وحقد وأذى”.
ثم ألقت ميشيل جبران تويني كلمة قالت فيها: “أريد ان أحدثك عن جبران وشريف وهما يلعبان بين صورك ويبعثا الحياة في مكتبك، الذي افتقد وهجك وديناميتك بعد رحيلك الموجع. أريد أن اخبرك عن حفيدك جبران، فيما والدتي ميرنا تحدثه عنك، فيبتسم ويطلب المزيد، ويريد التعرف إليك بالوقائع والصور والتفاصيل. بل إنه يطلب منها تكرار القصة عنك مرارا. ثم أريد أن اخبرك عن ناديا وغبرييلا اللتين تكبران يوما بعد يوم، وتشرقان وفي كل منهما شبه من جبران. بالأمس القريب سألتاني عما إذا كانتا تشبهانك أم تشبهان سهام أكثر. وثمة أسئلة يطلقانها لانهما تريدان معرفة كل شيء عنك، أسئلة موجعة تحمل كل ما في الفقدان المبكر من ألم وحسرة، ووجع البراءة في عيون من لم تعرفا والدهما كفاية”.
أضافت: “ماذا أخبرك عن “النهار” التي تتطور لتواكب العصر، مع فريق عمل ما زال يسكن قلوبه في ظل صورك التي تملأ أرجاء الجريدة؟ وأريد أن أخبرك عن “مؤسسة جبران تويني” التي ستعلن غدا عن كل المشاريع التي قامت بها، بإسمك، للشباب والمدارس، جريا على نهجك وإيمانك وإرادتك. وماذا أخبرك عن نايلة، التي ستحصل على تكريم من الدولة الفرنسية بعد بضعة أيام؟ ليتك كنت هنا لتحتفل معنا. وأما أصدقاؤك وكل الذين واكبوك في مراحلك الأولى في “النهار” فكلهم شوق إليك وذكراك لا تفارق أحاديثهم اليومية المعتادة، وكأنك ما زلت بينهم ومعهم، ومصدر قوتهم ومشجعهم والمدافع عنهم، كما كنت دائما”.
وتابعت: “هل تريدني أن أحدثك عن لبنان اليوم؟ ليتك تعفيني من مهمة ستسبب لك الحزن والأسى.. والغضب. ما نعيش فيه اليوم، يا جبران، لا يشبه لبنانك العظيم الذي استشهدت لأجله. هل أحدثك عن الإرهاب الذي بدل مبدأ الاستشهاد في ساحة الشرف، الى جريمة الاستشهاد ذبحا؟ وماذا أخبرك عن مجلس مدد لنفسه مرتين، تمديدا طالما رفضته في كل ما كتبت في صدر النهار ومزوره تحت جنح الظلام. وهل أخبرك بأن القصر الرئاسي ما زال شاغرا منذ مئتي يوم ونيف، نتيجة ارتهان البعض للقرارات الخارجية؟ أم أحدثك عن ثقافة الخطف على الهوية والقتل التي استشرت بعد غيابك؟ وكأن البعض لم يتعلم شيئا من حرب الآخرين على أرضنا، كما كان يسميها كبيرنا غسان تويني؟”
وقالت: “لكنني أريد ان اطمئنك الى اننا لن نيأس مهما فعلوا، لأنك قلت ذات يوم ان سيدنا المسيح هو ابن الله وكان بإمكانه فعل أي شيء، لكنه اختار الطريق الصعب، طريق الجلجلة، وصلب، لأنه آمن بالقيامة. ولهذا، ربما اخترت انت الطريق الصعب لانك كنت مؤمنا الى أقصى الحدود، بأن ما بين الظلمة والنور كلمة. أليست الكلمة كانت البدء؟ أليس أن الموت أمر عابر في وجه الكلمة؟ وإلا فلماذا انت باق، باق معنا وباق مع أجيال جبران من نهار الشباب الى النهار، الى ساحة الشهداء، وقسمك الباقي على كل شفة ولسان وقلب؟”.
وختمت: “باق انت، يا جبران في التاريخ وفي ذاكرة كل لبناني، الى أبد الآبدين”.