جبران… وين الشال الاحمر؟

  • ليس الى مكاتب “النهار” نتوجّه لالقاء تحية الصباح، أقرب، هنا، عند “مار متر”، مقابر الروم نقول عنهم. هناك صرنا نجالسك مع وردة حمراء بدل فنجان القهوة. ذات الشعور، ذات النظرة، ذات الكلمة كلما عبرنا من هناك ومنذ تسعة أعوام، اففف معقول جبران قاعد هون؟ كيف تجلس أنت هناك أساسا بسكينة مماثلة؟ انت والسكينة أعداء كيف تجالستما أخيرا؟!

    لا أكتب بحزن انما… كنت أريد ان أقول بحقد ولكن قد تُحذف الكلمة لفرط واقعيتها! أعرف، أعرف أنا مسيحية والحقد مناقض للتسامح وللمشاعر السماوية، ومع ذلك أنا أفعل! ليس ليسعد بحقدي القتلة، ولكن لأعمم المشاعر السلبية لاننا تعبنا الرثاء، تعبنا الزعل، تعبنا اللوم ولا عقاب، تعبنا من تجاوز أخطائنا لنلقي اللوم على الاخرين ونحن، نحن المقصّرين قبل الجميع!

    هل يذكر أحدهم متى كانت المرة الاخيرة التي لاحقنا فيها قضية اغتيال جبران التويني؟ من يذكر؟ “14 آذار” أتذكرين غير الخطابات التي تنهمر في أيام الذكرى السنوية إياها؟ أين دماؤك جبران التويني؟ أين الاشلاء التي تطايرت في قلوبنا حين أصبحت صوتاً مدويّاً في وطن العدم؟ أين حقنا في الدماء التي ابتلعتها الارض، دماء حمراء نقية فيها كل نضال العمر، فيها كل صباحات “النهار”، حبرها المدوي حرية وكرامة، مطابعها حيث انهمر حبر جبران، قامة جبران، بسمة جبران، وطن جبران يا عالم، ذاك الوطن الثائر المجنون بالشباب، بحيوية الحب والثورة، بلبنان يشبه سعيد عقل، فينيقيا الحرف والحرية والانسان، جمهورية جبران المزينة بالشال الاحمر، شال يرفرف هناك عند تمثال الشهداء في ساحة الحرية يصرخ من أعماق الاعماق “اقسم بالله العظيم… دفاعا عن لبنان العظيم”… وينك؟ وينك يا وطن يا عظيم؟ وينك يا شعب الثورة؟ وينك جبران…

    الى صباح كانون ممتلئ من خيرات السماء، تجلس عابرة قلم لتكتب عابر ثورة. قلم  يكابر الحزن ليكتب بالغضب عن ريح قلم عاصف، تحوّل الى ملهم يسكن بالصوت والخيال والايحاء ضمير جمهورية. عبرت تسع صباحات على الرحيل، لنعتبر العام  يوماً، وأنت لم ترحل! كيف نفعل للتحرر من اللاغياب واللارحيل وعكسه في آن واحد؟ أسكنتنا اللامكان، أحيانا كأنك موجود في كل التفاصيل وفي أخرى تغيب عمداً، وفي الحالتين نشعر بالوجود الصارخ. لعلك تتعمد الحضور لتنبّهنا الى أن من اغتالوك ما زالوا أحراراً سعداء، ينعمون ببكائنا على قبور الشهداء، اولئك الذين هددوك علنا ومعروفة أسماؤهم ووجوههم، وآخرين استفزوك لتعود من فرنسا بعدما اتهموك بالجبانة وهم الجبناء لانهم يستظلّون القتلة.

    لو بقيت في فرنسا، لكنت الآن ما زلت تنبض بحرية الصوت والكلمة والحضور، لو بقيت في فرنسا لما استقبلك ذاك الصباح في 12-12-2005، لنحملك شهيداً وكأننا نحن الشهداء. لو بقيت في فرنسا لما ادخلت البسمة والسعادة الى وجوه المجرمين، ولا أقول قلوبهم لان قلوب هؤلاء في غريزتهم المتوحشة ولا انسانية تعبر بهم، لو بقيت في فرنسا…

    يكفي، لم تبق وما كان يجب أن تفعل، أي حر كان سيفعل ما فعلته، أي شامخ في قضيته كان سيعود كما أنت عدت، أنت الملتفّ بالشال الاحمر المدوّي كرامة، لا يُكتب عنك امنيات نسائية بمعناها الدامع، يكتب عنك برجولة الموقف والكلمة والنضال والمغامرة بكل شيء لاجل وطن.

    وجهك حلو وانت تبتسم للناس في ساحة الحرية، ترفع القامة الممشوقة، تمد اليد، تمسك الورقة التي تحمل كم سطراً كتبتها على عجل قبل أن تواجه شمس الحرية في تلك الساحة “عشتم وعاش لبنان” تقولها مرتين، لم يعش لبنان بعد كما تحب، أخذت الشال الاحمر معك، طلب أخير، أرجعه اذا سمحت نريد أن نزنّر به ما يتناسى تلك اللحظة يا جبران…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل