كنا هناك: معركة في جرد العاقورة… بول جبور: قَصَفَنا السوريون بالدبابات عن بعد 30 متراً

 

كتبت جنى جبور في مجلة “المسيرة” العدد 1417:

إلى جرود العاقورة وصلت الحرب! كيف لا؟ ومن السبعينات امتّدت اطماع الغرباء لتصل حتى إلى تلك القمم اللبنانية العالية. لكن “القوات اللبنانية” كانت هناك إلى جانب أهالي العاقورة الذين كانوا مستعدين دائماً للدفاع عن ارضهم، ثابتين فيها كالصخر في تلك الجرود.

 

كان بول جبور آمر فصيلة في  ثكنة عمشيت التابعة لـ”القوات اللبنانية”.

عندما يبدأ برواية حكايات تاريخ الأبطال ومسيرتهم في جرد العاقورة تتأكد من صلابة المقاومة اللبنانية التي كانت دائماً بالمرصاد ضد الإحتلال السوري للبنان.

يقول جبور: “منذ السبيعنات ونحن نصعد إلى جرد العاقورة لنتصدّى لبعض المجموعات المسلحة التي كانت تدخل أراضيها لتقتل وتنهب. في 1982 وبعد تمركز السوريين في الجرد وطمعهم بالدخول من خلاله إلى القرى المسيحية، انطلقنا من ثكنة عمشيت أنا و29 عنصراً أذكر منهم : روميو زغيب وتوفيق أبي داود وطوني صقر.

كانت هناك مجموعات تخدم في موقع مقيل الحسني تابعة لثكنة عمشيت في “القوات اللبنانية”، وصعدنا  للتبديل، إذ أن كل مجموعة كانت تخدم لمدة أسبوع.

سلكنا طريق اللقلوق -العاقورة – جرد العاقورة وصولاً إلى مقيل الحسني وتقسمنا على 4 مراكز.

في اليوم الثاني على وجودنا وقعت المعركة في مقيل الحسني. فبينما كنا في دورية والشباب في المراكز، تفاجأنا  بالسوريين يحضرون الدشم، وهم مجهزون بجرافات ودبابات وآليات محملة بأسلحة ورشاشات دوشكا. حاولوا الإقتراب من مراكزنا، وبدأوا بإطلاق النار. ردينا على النار بالمثل، ومنعناهم من التقدم ودمّرنا لهم سيارة جيب تحمل رشاش دوشكا وأحرقنا جرافة تابعة لهم.

 

بعد مرور ساعة تقريباً على هذه الحادثة، بدأ قصف الدبابات على مراكزنا. بدورنا قمنا بالرد، إنما لم تكن أسلحتنا كثيرة، بل عبارة عن  مدفع مضاد دروع “106 ملم”، ومدافع هاون “82 ملم”، ورشاش دوشكا وقاذفتي “ب ٧”.

فجأةً بدأ الهجوم علينا بالدبابات والمدفعية، واقتربوا منا فكانوا يقصفون بدباباتهم عن بعد 30 متراً من مراكزنا، الأمر الذي أجبرنا على الإنسحاب إلى خط الدفاع الثاني، إذ انقسمت الفصيلة إلى حضيرتين معززتين قوام كل منها ١٥ عنصراً. الحضيرة الأولى أمّنت حماية  للحضيرة الثانية عبر إطلاق النار بغزارة بإتجاه العدو السوري المتقدم نحو متاريسنا الأمامية في بقعة مقيل الحسني عبر سواتر ترابية تصل إلى خط الدفاع الثاني. وما إن وصلت الحضيرة الأولى إلى خط الدفاع الثاني حتى أمّنت إنسحاب الحضيرة الثانية بإطلاق النيران بإتجاه العدو السوري.

هكذا وصلنا إلى خط الدفاع الثاني بمساعدة من القيادة التي دعمت انسحابنا  بالقصف المدفعي.

إثر ذلك أتى سلاح الدعم المؤلف من صواريخ مضادة للدروع: تاو وميلان وساغر. وإنطلقت المعركة مجدداً، وبعد هجمات عدة واشتباكات متواصلة تمكنا من استعادة  السيطرة على الوضع  حيث تقهقر العدو السوري وتراجع إلى مراكزه التي إنطلق منها أي قرقوف النسور، وتلة الجامع، وتلة الرام، ونفذوا عملية إنسحاب تكتيكي. دبابة أمّنت الإنسحاب عبر إطلاق النار باتجاهنا ودبابتان انسحبتا كمرحلة أولى مسافة كلم واحد ثم أمّنتا إنسحاب الدبابة المساندة. ومن ثم ما إن وصلت الدبابة إلى مكان الدبابتين  أمّنت هذه الأخيرة إنسحاب الدبابتين إلى مراكزهما الأساسية ومن ثم انسحبت الدبابة تحت غطاء مدفعي كثيف على مركزنا. في هذه الأثناء  كنا نطلق ما باستطاعتنا من نيران من داخل تحصيناتنا على الأماكن المرئية من قبلنا، تحسباً لوجود عناصر مشاة معادية. هكذا تمكنا من تطهير المواقع التي كان سيطر عليها الجيش السوري الذي هرب تاركاً بعضاً  من عتاده العسكرية وآثار الدماء.

دامت معركة العاقورة 48 ساعة. بعدها بقينا لمدة أسبوع حتى تم تأمين البدل الروتيني لنا، ورجعنا إلى مركزنا الأساسي في ثكنة عمشيت.

إلى جانبنا شارك الكثير من أهالي العاقورة، فكان الشباب وحتى كبار السن، يقاتلون بكل اندفاع بأسلحتهم التراثية منها المعدلة الإلمانية والـ ٣٦ وهي أسلحة غير اتوماتيكية تطلق رصاصة رصاصة.

بعد خبرته الطويلة بالحرب اللبنانية يقول جبور: “شاركنا دفاعاً عن قضية اسمها لبنان ولتثبيت وجودنا. نتذكر الحرب آملين أن لا تتكرر وأن لا يدخل لبنان مجدداً في هذه الدوامة. نحن دفعنا دماً  فدى القضية ولن نتخلّى عنها بسهولة، وإذا  كان هناك خطر علينا وعلى أولادنا أو أهالينا وضيعنا وبيوتنا فبالطبع نشارك من دون أن نسأل. مشاركتنا في الحرب كانت قوية وفعالة، وكنا متفرّغين للقوات اللبنانية، وإذا تعدى علينا أيٍ كان لن نسكت، وإذا هدد وجودنا مجدداً لن نجلس على الحياد”.

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل