كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1487:
فيما البقاع يعيش هاجس تسلّل الحرب السورية من جرود عرسال الى الداخل حيث القرى منقسمة بين مناصرة لـ”حزب الله” وأخرى مخطوفة من قبل “جبهة النصرة” و”داعش”، وفيما ترزح المنطقة تحت وطأة الأعداد الهائلة من النازحين السوريين وتداعيات الفوضى الأمنية والصحية المنتظرة مع تهديدهم بالموت جوعًا بسبب وقف المساعدات الدولية لهم، ما كان ينقص زحلة وجوارها من القرى البقاعية إلا جريمة بيئية ستغيّر وجه سهل البقاع الأخضر الى رمادي كلون الإسمنت وغباره القاتل. تهديد من نوع آخر يخيّم ثقله اليوم على الزحلاويين والبقاعيين عمومًا لو نفذ مشروع إقامة مطحنة الإسمنت التي رخصت لها وزارة الصناعة لصالح بيار فتوش شقيق النائب نقولا فتوش، طاحنة بطريقها صلاحيات كافة الوزارات ومتجاوزة حتى قرار وزارة البيئة بوقف المشروع.
من الآخر، لن يسمح الزحلاويون بأن يبصر هذا المشروع النور وتنطفئ شعلة “عروس البقاع” ويسوَّد السهل الزراعي الأكبر في لبنان وتدمّر السلسة الزراعية الغذائية في المنطقة التي تعتاش منها مئات العائلات ويأكل من خيراتها كل لبنان وتصدّر منتجاته العالية الجودة الى الدول العربية والعالم…
بتاريخ 12/11/2014 أصدرت وزارة الصناعة قرارًا بالترخيص لـ “شركة التطوير والتعمير ش.م.ل.” لاستثمار جبالات باطون مركزية ومطاحن لصناعة الاسمنت على أنواعه وألوانه…
بعد أيام على صدورالقرار بدأت مناشير الحطب بقطع الأشجار المثمرة من الأرض التي يملكها أصحاب الشركة في منطقة حوش الأمراء العقارية لتنفيذ المشروع تحت لواء التطوير والتعمير، فيما الزحلاويون يعتبرونه تدميرًا لبيئة السهل الزراعية واغتيالاً صحيًا لعائلاتهم وتهديدًا بالأمراض السرطانية وأمراض القلب وضغط الدم والانسداد الرئوي… على غرار ما يعانيه أهالي منطقة شكا وجوارها الذين يعيشون هذه المعاناة المستمرة منذ ما يقارب الـ 60 عامًا بقيت خلالها اعتراضاتهم المتكرّرة ومساعيهم لرفع أضرار معامل الإسمنت عنهم من دون جدوى.
القصة لم تبدأ من قرار وزير الصناعة الدكتور حسين الحاج حسن، يوضح مصدر قواتي مسؤول في منطقة زحلة، بل الخطوة الأولى كانت بتغيير تصنيف المنطقة العقارية التي سينشأ عليها المصنع، من قبل بلدية زحلة بالتعاون مع التنظيم المدني الى تصنيف (ج2) أي للصناعات الثقيلة. تلت ذلك الخطوة الثانية فتم تقديم طلب الترخيص الى وزارة الصناعة بتاريخ 12 /11/ 2014 وأعطيت الموافقة في اليوم نفسه وهذا أمر مثير للريبة والاستهجان، ففي العادة يتطلب الحصول على هكذا نوع من التراخيص دورة إدارية تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تنتهي بدليل أن الترخيص لمعمل سبلين إستغرق سنوات من تاريخ تقديم الطلب الأول. وهذا ما جعل الزحلاويين يطرحون أسئلة حول احتمال وجود صفقة ما تورط فيها الوزير الحاج حسن من حيث لا يدري! وهنا الطامة الأكبر لا سيما وأن الحاج حسن هو ممثل “حزب الله” في الحكومة والحزب يدّعي نزاهة الكف ومحاربة الفساد!!
ويتابع المصدر تفنيد الشوائب القانونية في قرار الترخيص ليلفت الى أن نص الترخيص يورد موافقة لجنة التراخيص في البقاع بتاريخ 12 /11/2014 أي في اليوم ذاته الذي صدر فيه الترخيص عن الوزارة، وهنا السؤال كيف يمكن أن تبلغ الوزارة بقرار اللجنة في البقاع في اليوم نفسه وتصدر هي قرارها فورًا فيه؟!! حتى قرار هذه اللجنة في النص يناقض ما ورد في كتاب وزير البيئة الذي يعلم فيه وزير الصناعة بعدم موافقته على الترخيص، وهذا تزوير فاضح وتعدٍّ من قبل وزير الصناعة على صلاحيات وزارة البيئة وتخطٍ فاضح لقرار وزارة البيئة وتقييمها العلمي.
كما أن مادة الكلينكر التي رخّص لها وزير الصناعة هي من المواد السامة التي رفض كل الوزراء الذين سبقوه في هذه الوزارة إعطاء تراخيص لإنتاجها أو معالجتها لأن الدراسات العلمية تؤكد عدم جواز تصنيعها في مصانع قريبة من المناطق السكنية كونها مادة مسرطنة.
ويكمل المصدر تفنيد مواد الترخيص ليلفت الى أنه يشمل جميع أنواع الصناعات الحجرية والإسمنتية التي تتطلب أفرانًا ضخمة شديدة التلويث، وهو بصلاحياته الواسعة يعتبر سابقة في لبنان فما من ترخيص أعطي سابقاً وشمل هذا القدر من الصناعات. بدليل أن تراخيص معملي شكا محددة جدًا! زد على ذلك أن المادة الثالثة تمنح الشركة رخصة صناعية أبدية فيما مصانع الإسمنت تجدّد شهاداتها الصناعية سنويًاً.
وتكمل فصول الفضيحة مع منح الشركة حق إستيراد الفيول والديزل والفحم الحجري والمشتقات النفطية… وصلاحية تركيب محطة لتوليد الكهرباء… وهذه كلها من صلاحيات وزارة الطاقة وليس وزارة الصناعة وهذه أيضا من المخالفات القانونية التي ربما لم ينتبه إليها الوزير. كما أنهى نص الترخيص بالإيعاز الى الإدارات الرسمية كافة والبلديات… بتسهيل أمر الشركة وهذا أيضا تعدٍّ على صلاحيات وزارة الداخلية. حتى وزارة المالية لم تسلم من قرار الوزير الحاج حسن الذي منح الشركة الأذونات بالتصدير والتوظيف واستيراد العمال من خارج لبنان بطريقة تتخطى حتى صلاحيات وزارة العمل!!! أيضًا في المادة الخامسة يمنحه حق تسجيل ماركات تجارية وهذا من صلاحيات وزارة الاقتصاد!!
بقراره هذا ضرب الوزير كل الوزارات لا بل نسف صلاحياتها، يضيف المصدر القواتي، وما من حلّ في الأفق إلا مبادرة وزير الصناعة الىسحب الترخيص قبل أن يفتح الملف في القضاء حينها لن تكون التحقيقات في مصلحة القرار الذي اتخذه.
النائب جوزيف المعلوف: نسأل “البيك” إيلي سكاف كيف أعطت بلديته رخصة للمشروع؟
لأن الزحلاويين يعرفون المثل القائل “ما متت ما شفت مين مات؟” يستعدون اليوم للتحرك بهدف وقف تنفيذ المشروع ومنع “الدب” من الدخول الى كرمهم كما دخل الى شكا. نائب زحلة الدكتور جوزيف المعلوف وتعليقًا على هذه المشكلة المستجدة على مدينته وجوارها استغرب كيف أن أولى الأصوات التي ارتفعت معترضة على تنفيذ الترخيص بانشاء مطحنة الإسمنت في زحلة، هي ذاتها التي تسيطر على بلدية زحلة ومن المؤكد أن أي مشروع بهذا الحجم لم يكن ليمرّ لولا موافقة البلدية عليه! وأكد أن الأثر البيئي لهكذا مشروع سيكون على حساب الإنتاجية الزراعية والاقتصادية للمنطقة، وهذا ما كان يجب أن تتداركه البلدية من البداية لا سيما وأنها أجرت تصنيفات جديدة وكان يجدر بها أن تحدّد نوع الصناعات المسموح بها، وأضاف: “كان على البلدية أن تعي أهمية تصنيف المستثمرين العاملين في الصناعات الثقيلة والمتوسطة. ولا يمكن أن يمرّ هكذا مشروع قبل إخضاعه لدراسات معمّقة من قبل وزارة البيئة ووزارة الصحة. على وزارة الصناعة أن تعيد النظر في مسألة إقامة مشاريع ثقيلة من هذا النوع في بيئة زراعية صِرف، ونحن نستغرب صرخة البيك إيلي سكاف المعترضة والمحذرّة من مغبة تنفيذ المشروع ونسأله أليست البلدية تابعة له سياسيًا؟ ورئيس البلدية المحسوب عليه كيف سمح لنفسه بتعديل تصنيف المنطقة لصالح أصحاب مطحنة الإسمنت؟ علامة إستفهام كبيرة تُطرح اليوم على أداء البلدية ورئيسها، فإما أن في الأمر تواطؤاً أو هو تقصير من البلدية في الحرص على مواصفات المشاريع الموافق عليها من قبل المجلس البلدي”.
أمام هذه الكارثة البيئية التي تتهدّد الزحلاويين وجيرانهم والمحمية بشرعية قانونية وخَتم وزير الصناعة حسين الحاج حسن، ما هي الخيارات أمامهم لرفع الضرر عنهم بطريقة استباقية؟ يرد معلوف “يمكن لأهالي زحلة أن يلجأوا الى مجلس شورى الدولة للطعن بقرار الترخيص إذا لم يسحب من قبل وزارة الصناعة والبلدية. وواضح أن كل الأطراف السياسية في المدينة ستكون في سباق لتقديم الطعن الى مجلس الشورى خصوصًا إيلي سكاف الذي سيسارع بالطبع الى تبييض صفحته وتصحيح الخطيئة التي وقعت فيها جماعته التي تدير شؤون البلدية. أما نحن فننتظر رد فعل البلدية على إعتراضات أهل المدينة وفاعلياتها لنبني على الشيء مقتضاه. وفي حال إضطررنا سنتقدم بدعوى قضائية أمام الجهات القضائية المختصة لوقف المشروع. وفي أقصى الحالات قد نلجأ الى التحرّك الشعبي. فالعائلات الزحلية تعي اليوم أنها أمام تحدّ ستكون نتائجه مدّمرة وتداعياته ستطال الكل من دون استثناء، والأضرار ستطال المناطق الزراعية كافة وستضرب السلسلة الزراعية والغذائية التي تشكل القوة الاقتصادية للسهل وأبنائه”.
د. جميل ريما: ضرر مطحنة الإسمنت البيئي أخطر من تصنيعه
أصحاب “شركة التطوير والتعمير” يحميهم اليوم الإطار القانوني المبكّل الذي أحاطوا به طلب الترخيص. رئيس مجلس إدارة الشركة بيار فتوش اعتبر أن التضخيم والتحريض عليهم يصبّ في خانة الكيد السياسي لأن المشروع ليس كما وصفه إيلي سكاف “مصنع للإسمنت” بل هو “مجبل باطون ومطحنة لتعبئة الإسمنت” وفي منطقة مصنفة صناعية (فئة ج) وليست زراعية أو سياحية أو حتى سكنية. وطمأن الى أن المطحنة مستوفية لكل الشروط البيئية بحسب المواصفات العالمية والتي فرضتها وزارتا الصناعة والبيئة قبل منح الترخيص.
فهل يطمئن الزحلاويون بعد هذا الكلام؟ دكتور جميل ريما أستاذ الفيزياء الكيميائية والهندسة البيئية أجاب عن هذا السؤال بالقول “مطحنة الإسمنت أخطر من المصنع لأن التلوث البيئي ينتج في هذه المرحلة من المعالجة التي تبدأ بتسخين التراب الأحمر والأبيض على حرارة 1500 درجة لنحصل بعد عملية تقنية على مادة “الكلينكر” وهو عبارة عن نوع من الحصى رمادي اللون يعالج بمادة أوكسيد الألمينيوم لنحصل بعدها على “الترابة” التي نعرفها والتي تنبعث من عملية طحنها وتعبئتها كميات هائلة من الغبار شديد الخطورة على صحة الإنسان والبيئة على حد سواء إذا لم يتم التحكّم به، وهو أمر في غاية الصعوبة والدقة للسيطرة عليه. برأيي لا يمكن أن يتم التلاعب على الكلمات لطمأنة الأهالي الى عدم وجود أثر بيئي ضار للمطحنة بما أن الخطورة هي في هذه المرحلة من عملية التصنيع”.
يقول ريما: “حجم الضرّر المتوقع من الغبار الصادر عن عملية الطحن ناتج عن كاربونات الكالسيوم المنبعث منها والذي ينتقل بالغبار ويدخل الى قنوات القصبة الهوائية والرئتين لتتراكم سمومه فيها بطريقة تؤدي حتمًا الى أمراض سرطانية، وهذا ما يعاني منه سكان مدينة شكا منذ أعوام. كذلك الأمر بالنسبة للمزروعات التي لا يقلّ حجم ضرر الغبار السام عليها وعلى دورة الأوكسجين التي تؤديها بطريقة تفيدها تمامًا كما تفيد البشر والبيئة المحيطة. وتكدّس الغبار السام على المزروعات لن يكون أثره أقل من اختناق المساحات الخضراء في سهل البقاع عمومًا وليس في زحلة فقط لأن انتشار الغبار السام لن يقف عند حدود زحلة بالتأكيد، تمامًا كما هو حاصل في شكا حيث الأثر البيئي الضار يصل الى بشري وأرز تنورين وتتوسع رقعته مع إتجاه الرياح في المنطقة. ولا ننسى تسرّب سموم هذا الغبار الى المياه الجوفية في زحلة وجوارها وهذا وحده كارثة بيئية وصحية حقيقية على الأهالي”.