مع طمع كل غريب بلبناننا كانت “القوات اللبنانية” بعزيمة شبابها، جاهزة لدرء هذه الأطماع ويوم احتاجنا الجنوب لبيّنا النداء.
بعد استشهاد الشيخ بشير الجميل، ولأسباب سياسية بعد الغاء اتفاق 17 ايار، ظهرت غاية الإسرائيليين في تسليح القوى الفلسطينية في المخيمات، كمخيم عين الحلوة والمية ومية كرد على الغاء اتفاق 17 ايار وقصة التسليح على غرابتها لا يعرفها سوى قلة قليلة.
وفي ظل التهديد الفلسطيني للمناطق المسيحية في شرق صيدا، قررت “القوات اللبنانية” المساعدة. فارسلت في نيسان 1985 فصيلة عسكر من الوحدة الخاصة بقيادة ستيف وتحديداً الى درب السيم.
انطلقت الفصيلة من الحوض الخامس في بيروت بواسطة الطرادات العسكرية إلى مرفاء الجية، باللباس المدني ودون حمل أي سلاح او عتاد بسبب ضغط الإسرائيليين للأسباب المعروفة والتي ذكرناها سابقاً.
تم نقل الفصيلة من مرفاء الجية الى صيدا بباصات للتلامذة، وخلال مرور الفصيلة على حاجز للإسرائيليين اوهموه انهم فريق كرة طائرة فسمح لهم بالمرور وصلت الفصيلة الى ثكنة “القوات اللبنانية” في مجدليون، حيث بدلوا ثيابهم المدنية وتزودوا بالأسلحة وكانت عبارة عن “م 16″.
بعدها توجهوا الى درب السيم، كان الهم الدفاع عنها لأنها ضيعة مسيحية واقعة بين مخيمين للفلسطنيين، عين الحلوة والمية ومية حتى لا تتعرض للأجتياح كما حصل مع الدامور في الـ 75.
عند وصولهم كانت هناك مجموعة من نيحا البترونية تابعة لثكنة القطارة مسؤول عنها جورج الشدياق المعروف بـ”ماكس”. استلمت الفصيلة عنهم البدل، في المتاريس التي كانوا متمركزين فيها، والتي وصلوا اليها مشياً مع الذخائر والعتاد بسبب سيطرة الفلسطنيين بالنار على الطريق. تمركزت الفصيلة في متاريس ضهور درب السيم وكان تعدادها 31 عنصراً وعليهم تغطية مساحة 5000 متر مربع على تلة صغيرة للدفاع عن المنطقة حيث كان يوجد فيها ثلاثة بيوت امام كل بيت انشىء مركز صغير للدفاع عن الموقع ضد الهجمات الفلسطينية من مخيم عين الحلوة والمية و مية. ولم يكن بالإمكان الوصول الى هذه المواقع بسبب السيطرة الفلسطينية إلا مشياً بوضعية الحذر والزحف اكثرية الاوقات.
بعد استلامهم البدل عن ثكنة الشمال، كانت مهمتهم صعبة بسبب جغرافية المكان، فمراكزهم كانت تحيط بها بساتين الموز والليمون والأكي دنيا التي قد تشكل تمويهاً جيداً يسهل عمليات التسلل من قبل الفلسطنيين.
كان عناصر ثكنة القطارة قد وضعوا حبلاً ونشروا عليه شراشف لحجب الرؤية تجنباً للقنص من المواقع المقابلة. بدأ الحفر أمام البيوت، و انشأوا المتاريس ووصلوها ببعضها بخنادق صغيرة حيث كانوا يحفرون بواسطة المعاول لمسافات قصيرة وينتقلون بين المتاريس زحفاً تجنباُ للنيران الفلسطينية. وكانت مقومات الدفاع معدومة رغم ذلك صمدوا وبقوا ولم يتركوا مراكزهم.
كان الجريح يتحول فوراً قتيلاً بسبب صعوبة عملية الإخلاء وعدم التمكن من الإخلاء والمركز الطبي كان بعيد ومعدوم الإمكانات.
الهجوم كان ممنوعاً من القيادة بسبب ضغط الاسرائيليين كما ايضاً التغطية المدفعية لنفس الأسباب. كان هناك تلة استراتيجية اسمها تلة “سيروب” ومن المهم استطلاعها ولكن كانت القيادة ترفض حتى لا تدخل بصراع مع الاسرائيليين.
في أحدى المرات قام آمر الفصيلة والذي يدعى “ستيف” بمبادرة فردية وسيطر على التلة مع مقاتليه. حيث بعد خمسة ايام تمكنوا من ايجاد جرافة و قاموا بشق بعض الطرقات حيث بدأت ملالة بتأمين الذخائر دون ان تتعرض للنيران وايضاً انشئت سواتر ترابية عالية. مهام هذه الوحدة كانت حماية الضيع المسيحية القريبة من الهجومات الفلسطينية.
خلال وجودهم في درب السيم بانت بناية ضمن مخيم عين الحلوة كان الفلسطينيون يوجهون من خلالها نيرانهم على متاريس القوات، تقرر استطلاع هذه البناية ومعالجة الموضوع لوقف النيران. توجهت مجموعة لإستطلاع هذه البناية وخلال تقدمهم اشتبكوا مع مجموعة فلسطينية على سفرة درج مما أدى الى سقوط جرحى من المجموعة وقتلى من المجموعة الفلسطينية وتم سحب الجرحى القواتيين من ارض المعركة.
في سيدة مغدوشة، كان يوجد متراس لـ”القوات اللبنانية” و كان بحاجة للمساندة فقرر الرفيق الفرد معوض من عديد الوحدة الخاصة الذهاب لمساعدتهم فحمل ما بإستطاعته حمله وانطلق، عند وصوله الى المتراس و ما ان انزل الحقيبة عن ظهره حتى اصابه قناص العدو الفلسطيني في رقبته ما أدى إلى استشهاده فوراً.
اصيب 28 عنصراً من الفصيلة ولكنهم بقوا في الجبهة ولم يقبلوا المغادرة. فكانوا يعالجون جراحهم ويعودون الى مراكزهم بسبب قلة عددهم وصعوبة تأمين البدل والأهم من هذا كله بسبب التزامهم حماية البلدات المسيحية التي كانت تحت حمايتهم، هل من يسمع؟ هل هناك من مناضلين شرفاء لم يجبرهم أحد على حماية هذه البلدات الجنوبية سوى التزامهم قضية الأرض و الانسان.
بقيت هذه الفصيلة في درب السيم حتى صدور قرار بالانسحاب، ووعدت الحكومة انذاك بإستلام الجيش اللبناني المنطقة، إلا أن الجيش لم يحضر، ما أدى إلى تغلغل الفلسطنيين في هذه المنطقة.
انتقلت الفصيلة بواسطة ملالة نوع “م 113” مروراً “بعلمان” وسط زغاريد ونشر الارز من قبل الاهالي. وطلب الاهالي من “القوات” البقاء وحمايتهم، قائلين “هذه ارضكم، خليكن هون الجيش لن يأتي والفلسطينيون سيقتلوننا”. ولكن القرار كان قد اتخذ على اعلى المستويات.
الاطفال والنساء كانوا يزرفون الدموع خوفاً، عند وصول الوحدة الخاصة الى مرفأ الجية رأوا شعب الجنوب يتهجر ناقلاً كل ما يملكه وهذا ما عرف بتهجير شرقي صيدا، فدخلت المليشيات الفلسطينية البلدات وصادرت المنازل والاراضي بعد ان غادرها أهلها.
بعضهم قد يلوم “القوات” لدفاعها عن قرى شرق صيدا ومنع الفلسطنيين من اجتياحها و يقول لولا وجود “القوات” لما هجرنا، ولكن اين كانت “القوات” يوم ذبحت وهجرت الدامور واللوم على الدولة التي من مهامها حماية شعبها ولكنها تركت هذا الشعب لقدره.
القوات اللبنانية” ارادت حماية مجتمعها على مساحة لبنان و التزمت قضية الارض والانسان حيث ذهب ابن بشري وجبيل الى درب السيم انطلاقاً من هذه المبادئ كما رأينا في هذه المقالة.