Site icon Lebanese Forces Official Website

جعجع والسعودية: علاقة استراتيجية

كتب مدير تحرير مجلة “المسيرة” نجم الهاشم:

ليست العلاقة بين المملكة العربية السعودية و”القوات اللبنانية” مجرد محطة عابرة وليست وليدة اللحظة السياسية الراهنة ولا تتعلق فقط بملف الإنتخابات الرئاسية. إنها علاقة استرتيجية من ضمن العلاقة التي ربطت المملكة بلبنان وتدخل ضمن إطار النظرة السعودية إلى الدولة اللبنانية منذ الزيارة الأولى التي قام بها ولي العهد السعودي الأمير سعود بن عبد العزيز إلى بيروت في 9 نيسان 1953 واستمرت عدة أيام التقى خلالها الرئيس كميل شمعون وجال في عدد من المناطق. منذ ذلك التاريخ وقفت المملكة إلى جانب لبنان دفاعًا عن سيادته وضمن هذه السياسة وهذا المسار التاريخي تأتي زيارات رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع إلى المملكة ولقاءاته مع كبار المسؤولين فيها.

لم يكن موضوع انتخابات رئاسة الجمهورية قد آن أوانه بعد، ولم يكن قد تم اتخاذ قرار بترشح الدكتور سمير جعجع عندما كان يلتقي مسؤولاً سعوديًا رفيعًا بعيدًا عن الإعلام والإعلان. بعد البحث في مواضيع لبنانية سياسية عامة فاتحه الدكتور جعجع بمسألة إعلان ترشيحه. لم يكن المسؤول السعودي يتوقع مثل هذا الأمر. استوعب المفاجأة وقال للدكتور جعجع: هذه المسألة تحتاج إلى قرار من الملك. في 4 نيسان الماضي أعلن جعجع ترشحه إلى رئاسة الجمهورية في احتفال كبير في معراب. بعد ذلك تبنت قوى 14 آذار هذا الترشيح: جعجع هو مرشح المواجهة مع برنامجه “الجمهورية القوية”. هذه الجمهورية كانت دائمًا في صلب سياسة المملكة العربية السعودية تجاه لبنان.

في العام 1982 بعد الإجتياح الإسرائيلي احتلت المشهد اللبناني صورتان متناقضتان ومعبّرتان: كانت الدبابات العسكرية السورية تنسحب من بيروت بالتزامن مع انسحاب قوات “منظمة التحرير الفلسطينية” بينما كان رفيق الحريري بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية ينظم عملية وصول جرافات الكاتر بيلر إلى العاصمة اللبنانية للبدء بعملية تنظيف بيروت بهدف البدء بمشروع إعادة إعمارها. كان القرار السعودي واضحًا تزامناً مع بدء عهد جديد وفرصة أمل بأن لبنان سيخرج من الحرب ويدخل في مسار إعادة بناء الدولة. قبل ذلك كان قائد “القوات اللبنانية” الشيخ بشير الجميل قد زار المملكة إيذاناً ببدء عهده في رئاسة “الجمهورية القوية”.  لا يختلف العام 1982 عن العام 2014. تغيّرت الأسماء ولكن العلاقة بقيت ثابتة. السياسة في المملكة العربية السعودية تجاه لبنان واحدة. والقيادة في “القوات اللبنانية” واحدة ومن هذه الخلفية يمكن فهم ما قاله الدكتور سمير جعجع في زيارته الأخيرة إلى المملكة حول العلاقة التي ربطتها مع الرئيس كميل شمهون والشيخ بشير الجميل من قبل والتي تربطها معه اليوم.

لم يكن قرار إخراج لبنان من الحرب قد اتخذ بعد. كان النظام في سوريا لا يزال قويًا. وكانت سوريا حافظ الأسد تضع في استراتيجيتها المدعومة من الإتحاد السوفياتي أولوية منع السعودية من الدخول إلى الساحة اللبنانية. على هذا الأساس استمرت الحرب من الضاحية وبيروت الغربية إلى الجبل وتم القضاء على مواقع القوة السنية السياسية والعسكرية تباعًا تمامًا كما كان يتم القضاء على مواقع القوة المسيحية العسكرية والسياسية حتى العام 1988.

في خلال هذه الأعوام الضائعة بين 1982 و1988 اختارت السعودية من خلال رفيق الحريري طريقاً معاكسًا للحرب على مستويين: الأول تمثل بفتح آفاق التعليم أمام آلاف الطلاب في لبنان والخارج والثاني فتح الباب أمام المفاوضات مع النظام السوري حول إيجاد حل للقضية اللبنانية وعلى هذا الأساس كان رفيق الحريري يلعب دور موفد الملك فهد وممثله الشخصي بين بيروت ودمشق والرياض.

في العام 1988 برزت بارقة أمل ثانية. كان الوقت وقت الحسم في من يخلف الرئيس أمين الجميل. ولكن من سوء المفارقات أن الإنتخابات الرئاسية تعطلت ووصل العماد ميشال عون رئيسًا للحكومة الإنتقالية إلى قصر بعبدا. بدل البحث عن حل وعن تأمين انتخاب رئيس للجمهورية ذهب العماد إلى حروبه العبثية من حرب التحرير إلى حرب الإلغاء. في خضم هذه الأزمات التي هددت لبنان بالقتل النهائي ولد اتفاق الطائف. ثمة فلسفة كامنة في قلب هذا الإتفاق. فهو لم يولد في تلك اللحظة بل كان نتاج سلسلة من التحركات والنصوص المقترحة لتعديل الدستور عمل عليها الموفد الخاص للملك السعودي وقتها رفيق الحريري ودخل على خطها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير بعد العام 1986 ورئيس مجلس النواب حسين الحسيني واطلع عليها الدكتور سمير جعجع. فلسفة الطائف قامت على ثابتة أكيدة: إنهاء الوجود العسكري السوري في لبنان وبالتالي إخراج لبنان من دائرة نفوذ نظام حافظ الأسد الذي كان لا يزال في عز قوته. لم يكن المشروع مجرد مسعى سعودي فقط بل كان نتيجة مراجعة دولية للوضع الشامل في لبنان. بوادر هذا التحول برزت في الدور الذي لعبته اللجنة العربية الثلاثية التي تشكلت من ملكي السعودية والمغرب والرئيس الجزائري وفي ما حصل في لقاءات تونس التي ركز فيها ممثلو الأردن والكويت والمملكة العربية السعودية والمغرب على ضرورة إخراج لبنان من دائرة النفوذ السوري وهذا ما ترجم في البيان الأول الذي صدر عن اللجنة العربية وكان يتضمن انتقادات للدور السوري في لبنان.

كان من المفترض أن يكون رينيه معوض رئيس الطائف الجديد أو الطائف السعودي كما كانت تصفه سوريا. على هذا المفترق كانت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري حافظ الأسد لإسقاط اعتراضاته على هذا الإتفاق. لقد انتخب معوض على هذا الأساس وعلى هذا القياس. ولكن تحالف الأضداد أسقط هذه المحاولة: العماد ميشال عون تحصن في بعبدا وحافظ الأسد أدار عملية الإنقلاب على الطائف السعودي ليأتي بالطائف السوري. في هذا الجو تم اغتيال الرئيس رينيه معوض وقال الأسد للرئيس حسين الحسيني : “إذهبوا وانتخبوا الياس الهراوي”. بدل أن يبدأ عهد الجمهورية القوية دخل لبنان عصر الوصاية السورية هذا العصر الذي دشنته عملية 13 تشرين 1990.

بعد 24 عامًا يدور الزمان دورته الكاملة. ذهب العماد عون إلى فيللته الفرنسية ودخل الدكتور سمير جعجع المعتقل. في العام 2000 بدا كأن هناك أملاً في استعادة فلسفة الطائف الأول. برز نوع من التحالف بين الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط والبطريرك صفير و”لقاء قرنة شهوان” و”القوات اللبنانية”. كما دفع بشير الجميل ثمن محاولة استعادة السيادة اغتيالاً في العام 1982 وكما اغتيل رينيه معوض في العام 1989 للسبب نفسه سقط الرئيس رفيق الحريري شهيدًا أيضًا في العام 2005. كان النظام السوري يرفض بصورة قاتلة أي محاولة لإنهاء وجوده في لبنان. كان يدرك أن مجرد بدء هذا المسار يعني بداية نهاية سيطرته على سوريا.

خرج سمير جعجع من الإعتقال في 26 تموز 2005 وذهب إلى المحور الذي كان يمثل السيادة بينما التحق العماد عون بالمحور الذي كان يقاتل من أجل الإبقاء على عهد الوصاية. كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري اغتيالاً للدور السعودي في لبنان. وبعده استمرت المحاولات. وكان سمير جعجع في قلب المعركة. معركة استعادة السيادة وبحكم الواقع كانت السعودية في المحور نفسه. لذلك نزل جعجع إلى السراي الحكومي عندما تمت محاصرته من أجل إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ولذلك كان جعجع أول الواصلين إلى مكان اغتيال اللواء وسام الحسن في الأشرفية. وأول المدافعين عن روح قوى 14 آذار والداعين إلى تجديد الثورة من أجل لبنان وأول الرافضين لاغتيال الوزير محمد شطح وأول المبادرين إلى إعلان خطة إنقاذ الجمهورية وإنقاذ الطائف خوفاً من عودة عهد الوصاية السورية ولذلك يقف ضد قتال “حزب الله” في سوريا ومع “إعلان بعبدا” وضد تصدير الحرب السورية إلى لبنان ومع تسليح الجيش اللبناني ليبقى سلاحه الشرعي الوحيد في لبنان وهذا ما تهدف إليه هبة الثلاثة مليارات ومكرمة المليار دولار التي قدمتها المملكة العربية السعودية إلى لبنان.

من مفارقات القدر أن مصير لبنان كان يتم بحثه مع النظام السوري قبل العام 2005 أما اليوم فصار البحث بمصير النظام في سوريا يمر في لبنان. ولا شك أن معركة استعادة السيادة اللبنانية طويلة وأن معركة استعادة الجمهورية القوية لا تنفصل عنها. ويستمر سمير جعجع في قلب هذه المعركة. في ترشحه كان في المقدمة. وعندما زار باريس والتقى الرئيس سعد الحريري والوزير سعود الفيصل كان في المقدمة وعندما زار السعودية في 21 تشرين الأول الماضي كان في المقدمة وهو اليوم من خلال هذه الزيارة يبقى في المقدمة. في البال تبقى زيارة الشيخ بشير الجميل إلى المملكة وعلاقات الرئيس كميل شمعون مع ملوكها وقياداتها لأن سمير جعجع في هذا المسار لا يخوض حربه أو حرب “القوات” بل حرب 14 آذار من أجل أن يكون لبنان سيدًا حرًا مستقلاً. وهذا ما تريده المملكة العربية السعودية أيضًا. إنها علاقة استراتيجية وليست مجرد زيارة عابرة.

Exit mobile version