#adsense

مناضلات “القوات”: صوفي شمّاس

حجم الخط

تبدأ الحديث مع الرفيقات في “القوات اللبنانية”، تنشد كلاماً وجدانياً يحاكي الروح المقاتلة داخلهنّ، تحاول أنّ تعلم ما الذي دفعهنّ إلى خوض غمار الحرب، تخجل أنّ تسألهنّ عن المساواة بين الجنسين، تشعر بأنّك في غير زمن لو سألت هذا السؤال، الإندفاع هو نفسه، التضحيات هي نفسها، القضيّة هي هي لنبقى ونستمر…

حلقتنا الثانية مع الرفيقة صوفي فتحت صفحات مطويّة، بعضها للنشر كي تكون عبرة، وبعضها للحفظ بغية الإعتبار. منذ بداية الحرب وحتى يومنا هذا ما زالت القضيّة نفسها، تغيّرت وسائل النضال ولم تتبدّل شراهة العدو ولا شراسة الدفاع، في الداخل تغيّرت التحالفات وظهرت تحدّيات جديدة، عدو الخارج ما زال يتربّص بنا ويتحيّن الفرص لتعقيد أمورنا وسلب حقّنا في حياة حرّة كريمة تليق بشعب دفع ثمن إرادته واستقلاله كما لم يدفع شعب آخر، قسم من الشعب يدفع ضريبة الحريّة عن كل الشعب اللبناني، وقسم آخر يصادر أحلام كل لبناني، ولكننا كنا هنا، وهنا سنبقى، هذا التراب المجبول بدماء وعرق المناضلين لن تقوى كل قوى الظلام على تغيير هويته وقِيَمِه ومبادئه، ومن يظن غير ذلك، فهو واهم ومشتبه وملتبس ومتلبّس بالجريمة.

تعود صوفي إلى بداية الرحلة، “صوفي معتوق شمّاس، إنتسبت في “القوات اللبنانية” في 1 شباط 1982، وفي عائلتي الكبيرة شاء القلب أنّ يجمعني الزواج بالرفيق روبير شمّاس من عداد سلاح البحرية فكانت رفقة عمر مكلّلة بالإيمان بالله والقضيّة ، وثمرتها ولدين ترايسي و بول.

إلتحاقي في “القوات” جاء طبيعياً من خلال نشاطي في الخليّة الطالبية في المعهد الذي كنتُ أتابع فيه دروسي، وكنتُ أتابع أخبار الشبّان العائدين من الجبهات، أحببتُ الحماس والإندفاع الذي كان يصاحبهم،. شبان كان يُفترض بهم التمتّع بالحياة ومتابعة دروسهم، ثمّ أتى إستشهاد أحد أقاربي ليزرع فيّ رغبة النضال ولو في جزء صغير إلى جانب الرفاق في إستعادة وطن وهويّة، فكان أنّ التحقتُ في مكتب التوجيه في الشعبة الخامسة.

في ذلك اليوم دخلت المجلس الحربي للمرّة الأولى، تعرّفتُ إلى الشيخ بشير وإلى رفاق ساهموا وما زالوا في رسم الطريق التي سرتُ عليها ولا أزال…

أجمل وأسوأ ذكرياتي تنحصران بشخص الشيخ بشير، حلقات الرقص والإحتفال في المجلس الحربي يوم إنتخابه عندما أطلّ علينا مبتسماً من نافذة مكتبه، والخيبة والحزن في الساحة نفسها عند خبر استشهاده، لم نصدّق وبقينا نحدّق إلى النافذة علّه يطلّ منها ويُكذّب الخبر، طال الإنتظار ولم يتغيّر الخبر…

رغم الألم والحزن، كان على المسيرة انّ تستمر، من أجل البشير والشهداء الذين رافقوه وسبقوه وسيتبعوه، لملمت “القوات اللبنانية” جراحها، وكانت التحدّيات كبيرة، تابعتُ دورة عسكرية في معهد “الدون بوسكو”، في نهاية العام 1982…

تروي صوفي عن حرب الجبل والظروف التي احاطت بها، وانعكاساتها على المناطق الشرقية، نتحفّظ عن ذكرها، فنحن عندما نضع الإصبع على الجرح، نفعل ذلك لمداواته وليس لنكئه، وذكر هذه الجراح اليوم ستؤلم، ولكن تختم صوفي هذه المرحلة بالكلام عن صعود نجم الدكتور سمير جعجع الذي بدأ يظهر أنّه القائد القوي القادر على ملء الفراغ الذي أحدثه غياب البشير، ما عرّضه للتضييق عليه ومحاولات إقصائه عن الساحة… نتركها للتاريخ !

بعد 15 كانون الثاني 1986 واستلام الحكيم مقاليد الأمور في “القوات اللبنانية”، إنتقلت للعمل في الدائرة الإعلامية، حيث ساهمتُ في ورشة ترتيب البيت القواتي على قدر المسؤوليات الملقاة على عاتقي.

في أذار من العام 1988 إلتحقتُ في جهاز الأمن حيث تابعتُ دورة تدريبية للإنضمام إلى “شعبة المعلومات”، وكانت المناطق الشرقية تعيش آنذاك نعيماً إفتقدته طيلة السنوات التي سبقت العام 1986، واستمرّت حتى بداية الحروب العبثية التي شنّها العماد ميشال عون حيث تحولّ النعيم إلى جحيم من البارود والنار والحصار، وأتبعها بجحيم داخلي أكبر وأكثر خطراً على المجتمع المسيحي وما زلنا نعاني ونعاين النتائج حتى اليوم.

لا أنسى يوم 31 كانون الثاني 1990 عندما شنّ الجنرال حرب الإلغاء، كنتُ قد أرسلت إبنتي إلى المدرسة وتوجّهت إلى عملي في مبنى جهاز الأمن في الكرنتينا، وكان منزلي قرب بيت المستقبل في النقاش ووردت الأنباء عن توجّه جيش عون لإحتلاله، عانينا كثيراً في ذلك اليوم، زوجي توجّه من المكلّس باتجاه المنزل وأنا من الكرنتينا عسى أن يصل أحدنا قبل عودة إبنتي من المدرسة بعد قرار إعادة التلاميذ، وصلتُ إلى المنزل ووجدتها في مدخل البناية تبكي وحيدة وخائفة، والدبابات تطوّق المكان، ومثل حالتي حالات من المآسي التي أدخلنا فيها الجشع إلى السلطة…

لا تنتهي صوفي من الكلام عن ذكرياتها، تبتسم حيناً، تدمع حيناً آخر عندما تتكلّم عن فترة إعتقال الحكيم، لكنها تعود وتنتفض لتقول “كنا مطمئنين أنّ لدينا قائد يعرف كيف يواجه، تروي كيف أخبرها أحد الرفاق أنّه تفاجأ بالحكيم جالساً في الملالة أثناء توجههم إلى الأشرفية لصدّ هجوم إيلي حبيقة… كنّا نعلم أنّه سينتصر، سيتحرّر ويحرّرنا معه”.

وتختم صوفي: “لا أدري إن كان تصميمنا على الحياة الحرة الكريمة هو الذي يدفع بالمتربصين بلبنان شراً على المضي قدماً في تسديد الضربة تلو الأخرى؟ هل يا ترى أن حريتنا وعزة نفسنا تثير الغضب في نفوسهم؟ هل يا ترى يحسدوننا على حبنا للحرية وسعينا للعيش دائماً وأبداً أحرار لا نطأطئ رؤوسنا لأي عدو غاشم يحاول استباحة حرمتنا؟ هل يكرهوننا لأنهم لم يعرفوا يوماً معنى الحرية؟ هل يسعون دائماً للقضاء علينا لأن نور حريتنا يبهر عيونهم ويؤرق لياليهم؟ هل لأنهم يعيشون في الظلام يريدون أن يمنعوا عنا النور؟ ألم تعلمهم الأحداث التي اختلقوها لنا أننا لا نركع؟ ألم يعلمهم التاريخ؟”

* هن نساء “القوات اللبنانية”، صبايا الى جانب الشباب ناضلن في زمن الاحتلال، نزلن الى الميدان، حملن السلاح دفاعاً عن الارض وعايشن رعب الجبهات. حملن القضية حكاية عز وكرامة وطن الى جانب الرفاق، ومعاً حملن البيرق صوب الحرية. لمناضلات “القوات” تحية حب واعتزاز من موقع “القوات اللبنانية” عبر سلسلة مقالات للرفيق ليبان صليبا.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل