Site icon Lebanese Forces Official Website

نغوشات معراب بالاحمر والابيض…

جلسنا. أشجار أرز مرشوشة هناك وهنالك، الثلج يكسوها، انارة تتسلل من بين القطن الابيض، مقاعد بيض صغيرة متفاوتة الطول، موسيقى ميلادية، عيّد الليل، فيروز دائما فيروز في كل المطارح.

جلسنا، دخل أطفال، بالابيض والشال الاحمر، تموضعوا، وقف المايسترو طوني البايع بالابيض والشال الاحمر، دخل الحكيم بالكرافات الحمراء، ستريدا بالابيض، جلسنا، دخل ادوين لطوف بالاحمر وبعض الابيض، وبدأ الريسيتال الميلادي في معراب.

ليس المكان لاستقبال السياسيين فقط ولا هو مكرّس للطبخات السياسية واللقاءات الدبلوماسية وعبوس رجال السياسة وجديتهم المفتعلة في غالبيتها، هناك مكان للسياسة الجدية أكيد، لكنه مكان للانسان أيضا، للفن، للثقافة، للعلم، للشباب والصبايا حيث الحياة تنغل بكل ما هو حلو وحقيقي وانساني.

“رأينا نجمه في الشرق وأتينا نسجد له”، هكذا كتب على بطاقة المعايدة، وبطاقة المعايدة صارت صورة كبيرة تصدرت القاعة. جلسنا، جان قسيس ورسالة حب محفوفة بالخوف لطفل المغارة بإلقاء رائع وصوت يقارب المناجاة.

ثم اقتحم ادوين القاعة، غنى بالانكليزية، تمايل مع الالحان الميلادية العالمية الشهيرة، “كل ما اريده في الميلاد هو انت” صوت ينحو للاوبرالي، جهوري أحيانا، رفيع في أخرى، منحن متهاو صاخب، بحسب النغمة بحسب الانشودة.

صعدت كريستا ماريا أبو عقل تلك الطفلة الرائعة الجميلة، غنت باحساس مطربة وبخبرة سنين، صفقنا، تمايلنا، تماهى معها الحكيم ومع ادوين، ضحك من قلبه، صفق بحرارة، بدا وكأنه عاد طفلاً يغني يمرح ينتظر هدية حلم في ليلة ميلاد في ضيعة جبلية قاسية الطبيعة حنونة القلب، بشري…

صمت، صعد شربل جبور ابن السنوات العشر الى المسرح، وجّه رسالة من طفل لبناني الى أطفال العراق وسوريا وفلسطين، قال لهم الا يخافوا لان يسوع معنا ولان ما بيصح الا الصحيح.

ووسط كل هذه النغوشة المشوبة بفرح الولدنة وخوف الكبار، جاء ايلي شويري، نبيذ اللقاء، ذاك الفنان الكبير المعتّق بخمرة صوت مفرط بالحنان، مشبع بنغمات يسوع، رتّل للطفل الالهي، ذهبنا في حنيّة الصوت الذي نلاحقه ايضا كل مساء عبر اثير “لبنان الحر” وخصوصا عندما ينشد “ارسل الله”. ذهبنا في خمرة الصوت التي سكبها في مزاج لبناني متعطّش لفنان من هذا الطراز، صمتنا جميعا، الاستاذ يرنّم، يغمض عينيه ويذهب في تقديس الطفل الآتي لخلاصنا، كانت دقائق قليلة معه توسطت أغاني الفرح، لكنها كانت كافية لتذكرنا أن الميلاد قبل كل شيء أعظم رسالة محبة موجهة للانسانية، للارض كلها، لتقول إن الهدف ليس الشجرة والزينة انما الانسان أولاً، روحه قلبه ايامه عمره، ايلي شويري ردّنا بدقائق الى كل هذا ولما انتهى ما كنا نريد، انتشلنا من نشوة الاصغاء العميق لنعود الى أحلام و”عجقة” الالحان الميلادية.

هو فرح من نوع آخر ضجّت به معراب، هذه معراب بالأساس، يمشي السياسي والفنان والمثقف والصحافي والمهندس والنجار والمدرس والموظف وعامل التنظيفات والفلاح ورجل الاعمال والتاجر، بالتوازي، لكل من هؤلاء مكان في معراب، لكل حدث مكان في معراب وليس أكبر من هذا الحدث، ميلاد يسوع.

انتهى الريسيتال وما كنا نريد، كانت ساعة حلوة حلوة دافئة مقتطعة من زمن لبناني لا شيء فيه يوحي بالحلا، زمن محفوف بالخوف والقلق والسجون، سجن السياسة وسجن دجالي السياسة والاحتلالات والرهائن و… و… وهكذا كان الميلاد في معراب، هي ساعة قضيناها، جعلنا من حالنا أطفالاً تنغوشنا “ورشنات” الايام، لنفهم معاني الفرح الحقيقي ولنذهب في غمرة الاصوات الى قلب يسوع، وليتنا، ليتنا نبقى في اللقاء…

Exit mobile version