#adsense

سيرة سمير جعجع لندى عنيد: مرآة لمأساة المسيحيين

حجم الخط

تشكل هذه السيرة فصلاً من مأساة مسيحيي لبنان، الموارنة تحديداً، منذ عشية “اتفاق القاهرة” في العام 1969، حتى “اتفاق الطائف”. وهي، اضافة الى ما رواه أسعد الشفتري وبول عنداري عن “السنوات الكالحة”، تنبّه الى أن ليس هنالك من سير واعترافات عن الحرب رواها قادة ميليشيات ومقاتلون من الأطراف الآخرين غير المسيحيين.

كتبت ندى عنيد سيرة قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، باللغة الفرنسية، قبل أن تنقلها دانيال صالح الى العربية، وتنشرها دار “نوفل” في عنوان “سمير جعجع: حياة وتحديات” في إصداراتها للعام 2015. وهي وضعت كتاباً عن حياة أنطوان نوفل، مؤسس “مكتبة أنطوان”، ضمنته تاريخ المكتبة في لبنان. هذا ما أوردته على الصفحة الأخيرة من كتابها عن سمير جعجع، وذكرت أيضاً أنها سجلت له 18 ساعة من الأحاديث، واستعانت بأبحاث أجرتها “لمواكبة قصته الشخصية وتحديد الاطار السياسي والتاريخي الذي دارت فيه”. في الصفحة الاولى من الكتاب شكرت الذين ساعدوها وتعاونوا معها لإنجازه، ومنهم من يبدو أنها حصلت على شهاداتهم: بيار أبو ماضي، إدمون رزق، كريم بقرادوني، سمير فرنجية، روجيه ديب، إيلي كيروز، إدي أبي اللمع، ستريدا جعجع، رجا الراسي، طوني عون، عيسى غريب، وأسعد الشفتري. وهؤلاء تقول إنهم “حركوا ذكريات” تتعلق بزمن صاحب السيرة وحوادثه.

السيرة بين صاحبها وكاتبها

في مقدمتها للكتاب تذكر عنيد أنها بدأت بمشروع تأليفه بعد خروج سمير جعجع من السجن في العام 2005. في بداية أحاديثه معها “أبدى بعض التحفظ”. لكنه “شيئاً فشيئاً راح يتكلم بصراحة متزايدة” و”تبدّد تحفظه”، بعدما تجاوز مسألة “أن يكون، مرة جديدة (أي بعد السجن والمحاكمات والاتهامات الموجهة إليه فيها) الوحيد الذي يجد نفسه، بين أطراف الصراع، مضطراً لتبرير مسار عسكري وسياسي خاضه وسط الحرب وضراوتها”. تشير الكاتبة ايضاً الى أن السيرة التي كتبتها غير “مأذونة، بالمعنى المعهود” لهذه الكلمة، “لأن سمير جعجع لم يطرح أي شرط مسبق، ولم يُعِدْ قراءة النص، ولم يوافق عليه أو يُدخل عليه أي تعديلات قبل” نشره. وذلك للقول إنها هي راوية السيرة ومؤلفتها، من دون تدخل صاحبها، إلا في ما رواه لها مشافهةً، قبل قيامها بالكتابة والتأليف اللذين أنجزتهما على نحوٍ مستقل عنه.

الكاتبة في توكيدها هذا إنما تشير إلى مسألة بديهية، مبدئياً، في كتابة السير التي تفترض، أصلاً، خيارات لا تحصى من أشكال التأليف وأساليبه، ومن طبيعة العلاقة بين صاحب السيرة والكاتب المؤلف. والحق أن هذه العلاقة، على اختلاف أنواعها، لا تنجو من الالتباس والتعقيد اللذين يلابسان دائماً رواية كل خبر عن الحوادث والاشخاص وأدوارهم. فما يقوم به كاتب السيرة ومؤلفها ينطوي على عمل تأريخي مداره ومحوره مَن تُروى سيرته التي يمكن روايتها على أشكال وأساليب تفوق الحصر. منها السهل، الذي يخلو من العمل التأريخي والتأليفي، حينما يكتفي الكاتب بتدوين ما يرويه الراوي، صاحب السيرة. لكن حتى في هذه الحال لا تنجو الرواية من تدخل صاحب السيرة، في سياق خبره عن الحوادث، وما دام الخبر، كل خبر عن حادثة ما، ينطوي أصلاً على ترجمة وتعليل وإعمال للنظر والتفكير والرغبة، لتحويل الحادثة الى خبر عنها، له منطقه المنفصل والمختلف عن منطق وقوعها.

في هذا السياق لا بد من الاشارة الى أن ندى عنيد بالغت في التخفيف من صلة صاحب السيرة بكتابتها وتأليفها، إذ كان يكفي أن تذكر أنه لم يضع شروطاً مسبقة عليها، وعزف عن قراءة سيرته التي كتبتها، قبل نشرها. هذا مع العلم أن من الصعب على مَن يعهد الى كاتب وضع سيرة له – وخصوصاً إذا كان من أمثال سمير جعجع وفي موقعه من الحوادث التي يرويها أو تُروى عنه – ألاّ يقرأ سيرته بعد كتابتها، وقبل دفعها الى النشر. نضرب صفحاً عن هذه التوكيدات والمبالغات التي ساقتها الكاتبة في مقدمتها، منقادةً برغبتها الفائضة في التشديد على استقلالها في عملها، وعلى تحملها هي المسؤولية الأدبية عما روته، وإضفائها الصدقية عليه. ذلك أن ندى عنيد في عملها الكتابي التأليفي، نجحت عموماً في إضفاء طابع “روائي – درامي” على السيرة وأسلوبها وتقطيع فصولها. فهي وظفت ما رواه لها سمير جعجع من وقائع حياته وتجربته في سياقات وفصول متشعبة ومتقاطعة تنمّ عن حساسية روائية – تأريخية في الكتابة وتأليف السيرة.

لا بد من الاشارة هنا الى أن كتابة السير تفترض علاقة شديدة التعقيد بين صاحب السيرة، وروايته الأولية الشفهية المبعثرة، وبين مَن يقوم بتسجيلها ويتدخل في روايتها وسياقاتها وتعيين أدوار الفاعلين في حوادثها، ويقارن الرواية الأولية بسواها من الشهادات. هذا قبل الشروع في نقل المادة الأولية من اللغة الشفهية الى اللغة الكتابية، وهو عمل يتضمن، الى جانب الترجمة من لغة الى أخرى، جملة من أعمال دقيقة مضمرة، تؤدي، أخيراً، الى تأليف السيرة وفق منطق وخيارات كتابية، مستقلة ومختلفة عن منطق الرواية الشفهية. المنطق والخيارات الكتابية، هما من صنيع المترجم – الكاتب أو المؤلف، قدر ما هما ايضاً من صنيع الراوي الاول، صاحب السيرة. الصنيع المزدوج هذا، يندمج أو يندغم فيه راويان تقوم بينهما علاقة تواطؤ وصراع واستدراج وتورط وتوريط واستعمال أقنعة وإزالتها. وفي حال الإقرار بهذه العلاقة المعقدة بين الطرفين، يمكن فن كتابة السيرة أن يتحقق على الوجه الذي بالغت الكاتبة في الاشارة اليه في مقدمة كتابها.

المسيحيون بين اتفاقين

تشكل سيرة سمير جعجع فصلاً من مأساة المسيحيين، الموارنة اللبنانيين تحديداً، منذ نهايات ستينات القرن العشرين، عشية توقيع “اتفاق القاهرة” بين قيادة الجيش اللبناني وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية المسلحة، ياسر عرفات، في العام 1969.

مذذاك، بدأ “القلق” يساور سمير جعجع الفتى المولود في 25 تشرين الأول 1952 “لعائلة مسيحية متواضعة ربّته على ايمان قوي، مكّنه من تحمل الحرمان”، فـ”عرف الجوع والبرد في حي المجادلة الشعبي المكتظ على تخوم بيروت”، قبل انتقال عائلته للاقامة في عين الرمانة، حيث خالط في مدرسة فرن الشباك الرسمية تلامذة من “أنصار الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي”، فـ”أخافته” عقائدهم، كما “أقلقت الخلايا الطلابية لحزب الكتائب” اللبنانية. فهو “لم يكن يتقبل (قط) الإلحاد الذي كان يجاهر به الشيوعيون”، ولا يتقبل ايضاً “دعمهم الصريح للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان”. لذا أخذت “مشاجرات شرسة بالحجار والعصي تدور بانتظام” بين الشيوعيين والقوميين السوريين من جهة، والكتائبيين من جهة أخرى. ثم نظّم الكتائبيون “محاضرات اسبوعية لإبعاد خطر” تلك العقائد “عن البلد (…) فلم يفوّت سمير أياً من تلك المحاضرات”. كان “نحيلاً صموتاً متكتماً”، فـ”لفت انتباه كريم بقرادوني، مسؤول مصلحة الطلاب في الكتائب”. بعد مدة قصيرة، كان ذلك الفتى النحيل في عداد الطلاب الكتائبيين الذين أخذوا يتدربون عسكرياً لمرتين في الشهر، في مخيمات قرب بكفيا.

وإذا كان “اتفاق القاهرة” الذي أطلق حرية السلاح الفلسطيني في لبنان، قد أدى الى تسلح شبان وفتيان مسيحيين، فإن “اتفاق الطائف” في العام 1989، وضع خاتمة لحرب أهلية ملبننة أدت، في ما أدت اليه، الى هزيمة “القوات اللبنانية” بقيادة سمير جعجع، والجيش اللبناني بقيادة ميشال عون (أي “الارادة المسيحية”)، كما الى هزيمة المنظمات الفلسطينية المسلحة وخروجها من لبنان الذي احتله الجيش السوري، وفرض عليه وصاية أمنية وسياسية، واعتقل سمير جعجع وسجنه في 21 نيسان 1994، حتى العام 2005.

خطّان متوازيان للسيرة

على خطّين متوازيين كتبت ندى عنيد سيرة جعجع: مسيرة حياته بين “اتفاق القاهرة” و”اتفاق الطائف”، أي سيرته القتالية والسياسية في “القوات اللبنانية”، وصولاً الى قيادتها، حتى اعتقاله. أما الخط الثاني فيروي يوميات حياته في سجن وزارة الدفاع، وما تعرض اليه من تعذيب ومهانات ومحاكمات، حتى إطلاقه بعد 11 سنة. لكن الكاتبة المؤلفة تمزج أحياناً بين خطَّي السرد، فتستدعي وقائع ومحطات من سيرة جعجع الحربية والسياسية وترويها في سياق روايتها عن أوقات سجنه.

يتضمن الكتاب معلومات عن مصير “القوات اللبنانية” بعد “اتفاق الطائف” الذي تكتب عنيد في تمهيدها للسيرة، أنه “سمح لنا بالخروج من دوامة العنف للشروع في اعادة بناء حياتنا”. فـ”أقصينا بمعظمنا (…) أحقادنا ومخاوفنا وأخفيناها في زاوية بعيدة من نفوسنا، وكتمنا الكثير”، و”تصرفنا جميعاً وكأن كل ما حصل لم يحصل”. حتى ما حلّ بقائد “القوات اللبنانية” وأنصاره “لم نعره ما يستحق من أهمية وانتباه، لأن أمير الحرب ذاك (…) كان يجسد السنوات الكالحة التي كنا نسعى بأي ثمن لمحوها من ذاكرتنا”. وفيما “بات في وسعنا أن نجوب بلداً بدأنا للتو باستكشافه من شماله الى جنوبه (…) مأخوذين بفرحتنا”، كان “ستة آلاف قواتي يوقفون في وزارة الدفاع، بالتزامن مع اعتقال سمير جعجع. وحين أطلق سراحهم كانوا مذعورين مدمرين جسدياً ونفسياً”. وقد يكون ما روته عنيد في الفصل الثاني من كتابها عما كان يحدث في “أقبية وزارة الدفاع”، يشكل وثيقة عن القسوة التي تعرض لها “القواتيون” وعائلاتهم. فـ”بعضهم لم يعد سوى ظلٍ (…) أقام حوله جداراً من الصمت عزل نفسه خلفه، والبعض الآخر غادر البلاد الى غير رجعة”. وعدد هؤلاء يبلغ “عشرين ألفاً من مقاتلين ومسؤولين ومناصرين. ومن أصل 8600 مقاتل و50 ضابطاً من “القوات، تمت الموافقة على ضم بضع مئات” ودمجهم في الأجهزة الأمنية وقوات الجيش”.

سيرة سمير جعجع كما روتها ندى عنيد، اضافة الى ما رواه أسعد الشفتري وبول عنداري عن “السنوات الكالحة”، تنبّه الى أن ليس هنالك من سير واعترافات عن الحرب رواها قادة ميليشيات ومقاتلون من الأطراف الآخرين غير المسيحيين.

لكن هل تساهم الروايات والاعترافات في التخفيف من حال الاستنقاع والتعفن التي نعيشها اليوم؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل