لا تمنع دواعي الخفر من الاستطراد التحليلي للمعطى الحواري المستجد، أو العائد من غربة طالت على مدى أربعة أعوام وفرضتها حالة انقلابية أوصلت الانقسام الى ذروته وأخذت المنقلب عليهم الى مناحي الشك المتين في ما كان يُسمّى بديهيّات وطنية عامة.
صعبة في زمن التلاقح السياسي العودة الى نبش الذاكرة السيّئة واستعادة محطات غير مأنوسة فيها، وهي المثقلة أساساً بممارسات دموية مصحوبة بأداء تخويني كيدي سافِر في عدائيّته وخلاصاته واستنتاجاته.. لكن الأصعب من ذلك هو نكران الذات أو الذهاب الى الإقفال الذي يريده الطرف الآخر، أو الخروج عن الأطوار الطبيعية في السياسة والخيارات الوطنية ووضع ذلك كله في سياق رد الفعل على الخصوم وتأكيد ثوابت البقاء من خلال لبس قمصان هؤلاء الخصوم!
وفي الإجمال تكتمل الانكسارات والهزائم عندما يصير البريء مثل المرتكب والمُفترى عليه مثل المفتري والضحيّة مثل الجلاّد. وهذا تكتيك مألوف في سير أهل الشموليات.. ومثالهم اليوم رئيس السلطة السورية بشّار الأسد، الذي وَجَدَ هو وصحْبه ومريدوه وندماؤه وداعموه، حجّة خلاص في ما يفعله «داعش» من فظاعات وفي ما يُرتكب تحت ستار معارض خادع، من جرائم توازي الجرائم التي ارتُكبت قبلها في حقّ السوريين على مدى الفترة الماضية.
والتوضيح واجب بقدر الاستطراد: لا يتحاور أسديون و»داعشيون» في لبنان، لكن خصوم في السياسة والتوجّهات والخيارات الاستراتيجية الوطنية والعامة.. حتى وإن كان الفريق الممانع أظهر على مدى سنوات، نيّات إلغائية وإقصائية وصولاً الى الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية في العام 2011. وحتى لو كان بيانه متآلفاً دائماً مع يقينيات مقدّسة وقوالب خلاصية مربوطة بالعزّة الإلهية، وبلغة كلسية جافّة وتحتكر لأهلها كل الحق وتلحق بالآخر كل الشر!
الحوار اللبناني إعجازي مثل بقاء لبنان! بحيث انه حكمٌ لا رادّ له ولا استئناف. وهذا عين المنطق الذي أكدته تجارب الحروب اللبنانية حيث عاد الجميع منها ومن متاهات الشرذمة والقتل والمشاريع الطموحة، الى الواقع الذي يشبه الجبال والذي تختصره جملة صارت تشبه الردحيات الزجلية، وهي القائلة إن «أحداً لا يلغي أحداً»، وإن زمن الحواسم عصيّ حتى في دول أكثر صفاءً ونقاءً في تركيبتها، من لبنان!
.. وفي الحوار هزيمة مزدوجة وعادلة! وهذه تلبّي شروط فلسفة زينون الفينيقي التي تمجّد الانكسار وتحتقر الانتصار: كل طرف يتراخى ويضع يقينيّاته على الرفّ من أجل الوصول الى درّة التسوية! لكن الفرق بين طرف وآخر هو أن أحدهما «يشعر» بانتصار منطقِهِ ونهجِهِ لأنه أساساً «مدني» وخارج في لغته عن مندرجات الحسم والفرض والقوة والرؤى الخلاصية التامة!
الطرف الآخر يحاور، وذلك في ذاته، يكفي للدلالة على وصوله الى ذلك الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة وبين الطموحات الكبيرة وحقائق لبنان الأكبر.
وفي الفم ماء مالح، لا يُبلع ولا يُمَج.. والسلام!