بعد مضي خمسة أشهر على اختطاف تنظيمَي «داعش» و»النصرة» العشرات من عناصر الجيش وقوى الامن الداخلي، يقترب هذا الملف من ملامسة الأطر المفيدة في التوصل الى معالجة ناجحة، من دون ان يشكّل ذلك ضمانة حاسمة للإنجاز، أقلّه طالما تفرض الظروف المناخية القاسية على الخاطفين الاحتفاظ بورقة ابتزاز تعود عليهم بالفائدة أكثر من اي مقايضة في حال إتمامها.
فأمس، وفي خطوة مسائية مفاجئة، قام اهالي المخطوفين ببادرة «حسن نية» تمثلت بفتح طريق رياض الصلح في وسط بيروت. وقد تم ذلك إثر لقاء مع رئيس الحكومة تمام سلام في اعقاب جولة على المرجعيات السياسية والدينية، هي أول خطوة تجييش فعلي لقضيتهم خلال الاشهر الخمسة الماضية. وقد اقتصرت تحركاتهم في السابق على قطع الطرق كنوع من الضغوط على الحكومة، وكانت تأتي تلبية لمطالب الخاطفين الذين يهددونهم بإعدام اولادهم في حال عدم التنفيذ. لكن هذا الإجراء شكّل عقاباً فعلياً لسائر المواطنين الذين غالباً ما أمضوا الساعات الطويلة في سياراتهم، ومن دون ان يحول دون إعدام ثلاثة من المخطوفين.
فمع إعلان بادرة «حسن النية»، ناشد الناطق باسم اهالي العسكريين الاعلام «الصمت» في هذه القضية، وهو المطلب الذي أجمعت عليه كل الفرقاء بدءاً من الرئيس سلام. ويلفت مراقب دقيق الملاحظة الى نوعين من المزايدات ساهمتا في الاساءة الى هذا الملف هما «المزايدات السياسية التي اهتمت بالمخطوفين وفق انتماءاتهم الدينية والمزايدات الاعلامية في سبيل الحصول على سبق صحافي»، خصوصا أن لبعض وسائل الاعلام قنوات اتصال خاصة بالخاطفين استخدموها لإيصال تهديداتهم لا مطالبهم.
فمطالب الخاطفين حتى الآن لم تتسم بالوضوح وليست محددة بدقة خصوصا مع تعدد «الوسطاء» رغم ان الحكومة شكّلت خلية ازمة فوّضت رسمياً وعلناً المدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم. لكن اضافة الى اللواء ابراهيم، تنقّلت الوساطة، التي حملت مطالبة بالإفراج عن عدد غير محدد وغير معروف بالاسم لمحكومين وموقوفين من الاسلاميين وكذلك عن سجينات في سجون سوريا، من «هيئة علماء المسلمين» الى الشيخ مصطفى الحجيري المعروف بـ «أبو طاقية» ومؤخراً الى الشيخ وسام المصري ونائب رئيس بلدية عرسال احمد الفليطي.
فمع تعدد الوسطاء، طاول الإرباك الحكومة التي لم تتوصل باكراً الى موافقة كل اعضائها على مبدأ «المقايضة». فمع غياب الرئاسة الاولى وانتقال صلاحياتها الى مجلس الوزراء اقتضى «التوافق» تمتع كل وزير بحق «الفيتو». وحتى الآن، وخلال جولة اهالي العسكريين على المرجعيات، رأى النائب ميشال عون مثلاً ضرورة المقايضة وفق «التشريع والقانون»، فيما اشار نائب الأمين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الى ان للحكومة تحديد ضوابط التفاوض المباشر أو غير المباشر.
كل ذلك رغم ان مبدأ المقايضة تتبعه دول كبرى كما ايران وكذلك «حزب الله». فسابقاً قايضت فرنسا مثلاً أنيس النقاش، وكان محكوماً، بأحد رعاياها. ومؤخراً قايضت الولايات المتحدة أصوليين من سجن غوانتانامو بأحد جنودها.
كما أن الذين عايشوا موجة الرهائن الاجانب في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وتابعوا آليات التعامل بين الخاطفين والمعنيين، يعلمون أن دور الاعلام كان يقتصر على تلقّي تبنّي الخطف وإثباته وتحديد المطلب، ليغلّف الصمت وتطبق السرية على كل ما يلي من تفاوض، وصولاً إما الى الإجهاز على الرهينة او تحريرها.
وساهم التخلّي الخارجي في التعقيد. فقطر انسحبت من دون إنجاز، وتركيا رفضت الانخراط في المساعدة بعد معاناتها خلال المساهمة في الافراج عن المخطوفين الشيعة في أعزاز.
ويتساءل المصدر عمّا اذا كان غموض مطالب الخاطفين يخفي رغبة ما في عدم الوصول الى حل لهذا الملف، اقله حتى الربيع المقبل، وذلك كورقة ابتزاز للحصول على ما يقيهم شر البرد والجوع في اعالي الجرود خلال فصل الشتاء.