في ذكرى ميلاد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح منذ 2014 سنة، الله المتجسد في صورة الإنسان، الذي عاش كواحد منّا وافتدانا بموته على الصليب من أجل خلاصنا من الخطيئة، ممهداً لنا الطريق الى الحياة الأبدية في الفردوس السماوي، لعل أكثر سؤال طُرح وما زال يُطرح مع الكثير من الشكوك، ومن بعض المسيحيين خصوصاً، هل حقاً يسوع المسيح هو الله؟!
لا شكّ أن المسيحية هي من أكثر الديانات التي عانت الإضطهاد والتنكيل والقتل الوحشي في بداياتها، في سعي واضح من الإمبراطورية الرومانية ورجال الدين اليهود لوأدها في مهدها.
هذا الفشل الذريع الذي أدى الى إعتناق الإمبراطورية الرومانية لاحقاً للمسيحية، الديانة التي قامت على المحبة والتي بدأت مع مجموعة من الخائفين الجبناء الهاربين، بعدما رأوا ما قاساه سيدهم من عذاب، ثم موته على الصليب، وأصبحت اليوم من أكبر وأسمى الديانات في العالم، لهو الجواب القاطع والحاسم على هذا السؤال المشكك.
لكن هناك ما هو أعمق وأهم، والذي يبرهن لنا أن يسوع المسيح، ليس فقط الله المُتجسد في شكل إنسان في العهد الجديد، وإنما هو الله بذاته أيضاً الذي ظهر للأنبياء في العهد القديم، وهو الأزلي السرمدي مع الآب والروح القدس، الثالوث الأقدس الإله الواحد.
في العهد القديم الكثير من الآيات التي تتكلم عن وحداوية الله، “أنا الرب وليس غيري مُخلص”، “وأنا الأول والآخر ولا إله غيري”، “ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله وليس آخر”. ثم نقرأ هذه الآيات التي تُظهر الثالوث الأقدس في العهد القديم أيضاً، “وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا”، “وقال الرب الإله، هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر”، “ثم سمعت صوت السيد قائلاً:”مَن أُرسل؟ ومَن يذهب من أجلنا؟” فقلت: “هأنذا أرسلني”.
وقد رأى أنبياء العهد القديم الله وجهاً لوجه كما حصل مع أبرام ويعقوب وموسى في سفر التكوين، بينما قال يسوع في يوحنا 5:37: “والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيأته”.
في رسالة القديس بولس الأولى الى أهل كورنتوس يقول: ولا نُجرب المسيح كما جَرّب أيضاً أناس منهم فأهلكتهم الحيات. في إشارة واضحة لما ورد في سفر العدد 21: 4-9، عن قصة الرحيل من جبل هور.
وفي يوحنا 10:40، يقول يسوع: “أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت أنكم آلهة؟”، وهو ما ورد في المزامير 82:6، “أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون”.
والبرهان الساطع على أن المسيح هو الله، أتى في أعمال الرسل 20:28، “إحترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة، ليرعوا كنيسة الله التي إقتناها بدمه”.
كما أن يسوع قال وفعل أشياءً تخص الله وحده. فقد أعلن أنه قادر على الوجود في كل مكان: “حيثما إجتمع إثنان أو ثلاثة بإسمي فهناك أكون في وسطهم”. “وها أنا معكم كل الأيام الى إنقضاء الدهور”.
لديه أيضاً سلطان غفران الخطايا: “يا بُني مغفورة لك خطاياك”. وسلطان إعطاء الحياة الأبدية: “أنا خبز الحياة”. والدينونة: “لأن الآب لا يدين أحدا، بل قَد أعطى كل الدينونة للإبن”. وتكريمه كما يُكرم الآب: “مَن لا يكرم الإبن لا يُكرم الآب”. وسمح بالسجود له ومناداته ربّي وإلهي، بينما هو بنفسه جاوب الشيطان: “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد”.
بالمُختصر، لقد أعلن يسوع بفمه أنه الله الحي المتجسد، وظهوره لبولس حوّله من قائد لحملات إبادة المسيحيين، الى واحد من أعظم رسله، ودخوله حيّاً العلية حيث يختبئ تلاميذه المرعوبين، حوّلهم الى رسل حقيقيين نشروا المسيحية في كل الدنيا بعدما رأوا الههم ومعلمهم قائماً من بين الأموات، فمشوا على دربه، وإستشهدوا من أجله ومن أجل إيمانهم، الإيمان الذي جعل القديس بطرس يطلب من جلاديه صلبه بالمقلوب، لأنه لا يستحق الصلب كما صُلب ربه.
حتى القرآن قال عن المسيح أنه روح الله وأن الله أنزل التوراة والإنجيل. لذلك، فالواضح من كل ما سبق، أن يسوع المسيح هو الله الحي المتجسد، خالق السماء والأرض، الذي في البدء كان وبه كان كل شيء. وبما أن الله ميزنا بعقلنا وقدرتنا على التحليل والسعي وراء الحقيقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحياتنا الأبدية، فأمام كل إنسان منا خيار من إثنين فقط لا ثالث لهما، إما أن يسوع هو رجل كاذب ودجال ومنافق ومُدّعي لكل ما قيل عنه في الأناجيل، وعليه إخراسه ودحره ونسيانه الى الأبد، أو أن يسجد معنا عند قدميه، ويناديه كما فعل توما بعد أن وضع إصبعه في جروحه، “ربي وإلهي”، فيتمجّد بنا وبكلّ شيء أسمك القدوس إلى الأبد… آمين.