
كتب رائد جبر في “الحياة”: يودّع الروس عام 2014 الأصعب منذ سنوات، وهم أقرب إلى التفاؤل بأن الآتي أفضل. والأحاديث التي لا تنقطع عن الغلاء الفاحش والصعوبات المعيشية المتزايدة، لم تنعكس على صعود «الروح الوطنية» و «الاستعداد لمواجهة المؤامرة على روسيا والانتصار عليها». وفي مقدِّم المشهد حال تُعتبر سابقة لمعدلات الالتفاف الواسع حول سياسات الرئيس فلاديمير بوتين الذي بات لدى نحو 80 في المئة من الروس أكبر من «زعيمٍ للأمة» في مرحلة صعبة.
هو «قلب روسيا» النابض، وفق حملة ترويجية واسعة، تدخل في إطار المعركة الداخلية لرص الصفوف ورفع المعنويات في مواجهة العقوبات و «العدوان الغربي».
و «قلب روسيا» هو الاسم التجاري لشبكة واسعة من محال بيع القمصان التي ظهرت فجأة في المجمعات التجارية الكبرى في موسكو. وتبدو صُوَر الزعيم الروسي المطبوعة على القمصان في أوضاع مختلفة، مستوحاة كلها من روح المواجهة الحالية في أوكرانيا. فيظهر مثلاً على أحد القمصان بلباس عسكري مع العبارة الشهيرة «روسيا لا تنسى من يخصها» التي أطلقت أثناء عملية ضم القرم، والمقصود بها المواطنون الروس أو الحلفاء أو الأصدقاء. ويظهر على قميص آخر بلباس مستوحى من قصص الأبطال الخارقين في القصص الخيالية، كأنه يستعد للانقضاض على العدو وإنقاذ الضحية… أو مرتدياً بزّته الرسمية مع عبارة تنمّ عن ذوقٍ رفيع.
وليست شبكة «قلب روسيا» الوحيدة التي تروّج بقوة للزعيم الروسي، إذ تحوّلت صُوره مادة واسعة الانتشار في محال بيع الهدايا والتذكارات. حتى «ماتروشكا» الشهيرة أبرز الهدايا التي يقتنيها السائح الزائر روسيا، تأثرت بالأجواء السياسية والالتفاف الشعبي الواسع حول بوتين.
فالتحفة الخشبية المكونة من قطع متشابهة تحمل كل منها في داخلها نموذجاً أصغر، كانت عليها في السابق رسوم لفتاة بالملابس التقليدية الروسية، ثم حملت طابعاً سياسياً خلال فترة انهيار الاتحاد السوفياتي من خلال طبع صُوَر قادة البلاد منذ عهد القيصر إلى بوتين، قبل أن ينفرد الأخير، فظهرت صُوَره بأوضاع مختلفة على طقم كامل منها.
المثير أن «قلب روسيا» لم ينسَ الترويج أيضاً لثعلب الديبلوماسية سيرغي لافروف، فظهرت صُوَره على أحد القمصان المعروضة، وعليها عبارة رُكِّبَت حروفها لتعبّر عن الهدف المرجو: We loveROV.
قد تكون هذه المرة الأولى التي يتحول فيها وزير خارجية روسي إلى بطل شعبي، فالعادة ألّا يحظى رئيس الديبلوماسية بحضور داخلي بارز، والاستثناء الوحيد كان يفغيني بريماكوف الذي اكتسب حضوراً شعبياً واسعاً حين ألغى وهو على متن طائرته زيارة كانت مقررة لواشنطن، بعد إبلاغه ببدء الحرب على يوغوسلافيا، وأمر الطيار بتغيير المسار فوق المحيط والعودة إلى موسكو.
هكذا، تبدو انعكاسات المواجهة مع الغرب في موسكو، أما الظروف المعيشية القاسية وتحذيرات مسؤولين بارزين من ازدياد معدلات الفقر، وشكاوى معارضين من التضييق على الحريات بذريعة مواجهة المؤامرة الخارجية، فكلها لم تنعكس على المزاج الشعبي الذي بدا راضياً بالتقشف وتقليص الموازنات، في سبيل هدف أعلى.
وأظهر استطلاع حديث أعدّه مركز دراسات الرأي العام أن 73 في المئة من الروس يعتبرون «استقرار البلاد أهم من الحريات»، ويؤيدون التدابير الهادفة إلى تحصين البيت الداخلي. وهذه النسبة قريبة جداً من نِسَب التأييد الثابتة الآن للرئيس بوتين.

قبل الاستطلاع مباشرة، طلبت «بي بي سي» من مؤسسة «غلوبال سكان» إجراء بحث في روسيا ضمن دراسة واسعة أُعدّت في 11 بلداً في الغرب والشرق، حول نظرة المجتمع إلى حرية الكلمة والتعبير. وكانت مفاجأة البحث أن نحو نصف الروس يؤيد التضييق على حرية الكلمة في مقابل ضمان الاستقرار، واعتبر نحو 46 في المئة أن روسيا لا تعاني أصلاً من نقص في حرية التعبير، بينما شكا 18 في المئة فقط من انتهاكات في هذا المجال.
الطريف أن المؤسسة صاحبة البحث خلصت إلى أن لدى الروس «نظرة آسيوية» إلى مسألة الحريات، باعتبار أن تلك النِّسَب كانت متقاربة مع نتائج البحث في بلدان آسيوية شملها الاستطلاع.