#adsense

حتى في الأرز … واجهنا الطاغوت

حجم الخط

المقاومة اللبنانية والنظام السوري حكايات لا تنتهي، بحور من الدماء والشهداء ودمار الممتلكات، انها قصص بطولية لشباب من الجبال السمراء والسهول الخضراء وجيران البحر الازرق، انها قصص العنفوان ذاتها من التاريخ القديم الى الحديث انها المقاومة المستمرة.

بعد اقرار الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس الياس سركيس في 28 – 6 – 1978 خطة امنية لمحافظة الشمال كلفت بها قوات الردع العربية، اعلنت فاعليات بشري رفضها قيام السوريين بتنفيذ الخطة الامنية في بشري ومحيطها، وطالبت ان يتولى هذه الخطة الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. تدخلت بكركي كما الرئيس سركيس من أجل تثبيت الوضع وعدم تفاقمه نحو الأسوأ. حضر الى بشري المشرف على الخطة الامنية في الشمال العقيد السوري تامر الجوني من أجل تبريد الاجواء مبرراً دخول القوات السورية لمنع المناوشات بين بشري وأهدن. تم الاتفاق مع العقيد الجوني على: عدم ملاحقة اي شخص من بشري ومحيطها وعدم تدخل السوريين في الشؤون الداخلية للمدينة وعدم دخول المنازل وتفتيشها. وافق السوريون على هذه المقرارات، كما وافقت القيادات الحزبية العليا وتولت اقناع عناصرها بعدم التعرض للخطة ومواجهة السوريين.

بدأ السوريون بتنفيذ انتشارهم في 30 حزيران 1978 عبر تقدمهم من محور طورزا وصولاً الى حدث الجبة حيث اقاموا تجمعاً كبيراً في الفنادق الموجودة في المنطقة ونصبوا حاجزاً على مفرق حريصا تنورين – حدث الجبة.

ومن الجهة الشمالية تقدموا عبر محور حدشيت آتين من اهدن والقرى المجاورة حيث وصلوا الى محلة الحريم واقاموا حاجزاً ثابتاً بعد ان مشطوا المنطقة المحيطة ولم يتركوا دسكرة او طريقاً ترابياً لم يدخلوه و يمشطوه. وهكذا اكتمل الطوق على مدينة بشري واصبحت بحكم المحاصرة.

قامت القوات السورية بفرض سيطرتها انطلاقاً من البقاع على القرنة السوداء وضهر القضيب حيث موقع الغرفة الفرنسية، وبعدها نصبت حاجزاً لتفتيش العابرين من الارز الى عيناتا على مفرق طريق المصعد الكهربائي وذلك في 29 آب 1978 وبدأوا بمضايقة الاهالي بشكل استفزازي. اهالي المنطقة الذين لطالما قاوموا المحتل عبر العصور وسكنوا تلك الجبال ليصونوا حرياتهم، أبوا ان يعاملوا بهذا الشكل المهين مما استدعى منهم الانتشار المسلح على التلال المقابلة للسوريين .

بعد انتهاء القوات السورية من تمركزها في الأرز قامت بإقتحام مخفر الدرك وطردت عناصره بعد ان استولت على اسلحتهم وتابعت استفزازاتها بتطويق ثكنة التزلج في الارز وهددت ضباطها وجنودها وانذرتهم بالاستسلام ولكن رفض الضباط الانذارات المتكررة وقرروا المواجهة حتى آخر رجل لأن كرامة الدولة اللبنانية على المحك. قصفت الثكنة قصفاً عنيفاً تزامناً بدأت الاتصالات مع قيادة الجيش لفك الحصار الذي بقيَ حتى اندلاع المواجهات في الشاليهات.

قامت دورية سورية مدرعة بحملة تفتيش للشاليهات، فما كان منها إلا ان اصطدمت بأحد المقاومين الشجعان المدعو فادي جعجع الذي كان نائماً حيث عمدت احدى النساء التي تعتني بالشباب الى تحذيره فعاجل المجموعة برشق ناري من بندقيته “م 16” ورمى قنبلة يدوية حيث قتل المهاجمون وهم نقيب وعسكريان اثنان وجرح خمسة آخرون من المهاجمين واصيب فادي في رجله ولكنه تمكن من الفرار. بعدها توترت الاجواء، قام السوريون بإطلاق النار عشوائياً وبدأوا بالقصف العشوائي الذي وصل الى بشري بعدما كانوا قد أسروا بعض البشراويين الموجودين في الأرز حيث خبأ الشهيدان مطانيوس ابو شيبان طوق وباخوس عبود بعض من البشراويين في غرفة الشوفاج وعند سؤال السوريين “هل يوجد أحد” اجاباهم “كلا نحن فقط” وبعض عناصر ثكنة الارز بعد ان فكوا الطوق عنها.

بدأت الاتصالات على مختلف الصعد بين فاعليات بشري والرئيس سركيس ومع الرئيس فرنجية لمنع انفلات الامور ووصولها الى التفجير الكلي.

افرج عن الجنود اللبنانيين بعد اتصالات حثيثة بين قيادتي الجيش و”الردع” ولكن دون من المدنيين من الاهالي الذين بقيوا محتجزين في مركز الغرفة الفرنسية وفق ما أخبر الجنود اللبنانيون الأهالي مما خلق جواً ضاغطاً على البشراويين. في منتصف ليل 29-8-1978 بدأت القوات السورية بقصف عنيف لمنطقة بشري حيث استشهد كل من عزيز حنا ملحم طوق ومريم حدشيتي، كما اشعل السوريون الحرائق في شاليهات الارز والاوتيلات وثكنة الجيش وبعض المنازل. عندها نظم مقاتلو بشري انفسهم وتوزعوا على نقاط استراتيجية واقاموا الكمائن في منطقة “بنحلي شير القرن ومغارة قاديشا وتلة الصليب ومنطقة بعل النهيريّة فوق نبع النبات” تحضيراً للمواجهة التي هي واقعة لا محالة.

وكعادتها وزعت القوات السورية بياناً كاذباً مفاده بأن لا صحة للأخبار التي تتحدث عن مواجهات او وقوع ضحايا.

كان أحد الرعاة المدعو “محرز لحود طوق” الذي قرر نقل ماشيته من منطقة المواجهات الى اخرى آمنة شاهد في منطقة “المحافير” التي هي على تخوم غابة الارز الجثث التي اختطفها السوريون من الشاليهات في الارز مشوهة ومرمية على قارعة الطريق وذلك في 30 – 8- 1978. أوصل الراعي الخبر الى بشري حيث قرر الاهالي مواجهة السوريين مهما كلف الامر وبدأت فاعليات المنطقة وعلى رأسهم الاب فيليب شبيعة – الذي اصبح أول مطران على أبرشية بعلبك – دير الاحمر المارونية في ما بعد – العمل على تهدئة النفوس. كما هدد الشيخ بشير الجميل بمهاجمة القوات السورية في كل لبنان. مما اجبر قائد القوات السورية في الشمال العقيد تامر الجوني على رأس وفد من الضباط تقديم الاعتذار ووعد بمحاكمة المتهمين بهذه المجزرة بعد ان أمّن سيارة اسعاف ونقل الشهداء الى مستشفى الحكومي في بشري. وكان على رأس المتهمين الرائد آنذاك علي ديب المشهور ببطشه حتى في سوريا ولكن كالعادة السوريون ينفذوا آوامر قيادتهم فهم لا يرتجلون ولكن يصدرون البيانات الكاذبة. ولم يقبل البشراويون دفنهم إلا بعد أن أتى الاعلام وكل اهالي بشري ليروا فظاعة التمثيل في الجثث حيث ان ارملة احد الشهداء طانيوس ابو شيبان طوق لم تتعرف على زوجها من جراء دهس رأسه بناقلة الجند.

الشهداء تعرضوا للتعذيب والتنكيل والسحق والحرق حتى صَعُبَ التعرف على جثامينهم، وهم:

الشهيد هاني اسعد كيروز

الشهيد انطوني اسعد كيروز

الشهيد مطانيوس ابو شيبان طوق

الشهيد دوري اميل نكد

الشهيد جميل ميشال الاسطا كيروز

الشهيد باخوس عبود

المقاومة واجهت ووقفت في المكان والزمان ولم تترك ارضها، دفعت في سبيل ذلك اغلى ما تملك ولكن وقفتها حينها بالرغم من التفاوت بالعديد والعتاد سهّل على المقاومين في مختلف المناطق اللبنانية المواجهة وعدم الاستسلام للخوف او للتهديد وهكذا استحقينا الارض التي نعيش في ظلال ارزها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل