
أول رشفة على رحيل مدو، ها أنت تأفلين وما أحلا الرحيل… مهلا ثمّة ما هو عالق بعد بيننا، بينك ونحن وطن، جمهورية، أرض، نحن.
دونك والرحيل السهل الف لعنة ربما وبعض من وداع رقيق ربما. لنا في ذمّتك الكثير الكثير الذي يصعب تعداده، ولك في ذمّتنا القليل المتبقي المنثور على صفحات عام ولا أي عام.
أقول المرحومة؟ ليس بعد، فآثارك ما زالت تحفر عميقاً جروحها على صفحة الوطن، قلب انسان، أرز هذه الارض.
نأسف لرحيلك؟ بالطبع لا، لم تتركي لنا فسحة أسف، لم تفسحي لنا في المجال لذرف دمعة مشتاق، لن نشتاقك، منذ 365 يوماً ونحن ننتظر أن ترحلي تصوري، وجاء الوقت.
نودع معك بعضاً منا، أو لعل الكثير منا نريده أن يذهب معك الى غير رجعة، كنت سنة مريبة، مشوبة بالقلق، عامرة بالموت، موت أحباء، موت بعضاً من وطن وهذا امر مضني.
كأنك اتيت بالاساس لتحطّمي في شهور ما بنيناه في أعوام مكللة بالشهادة والتعب والقلق والنضال، أعوام كانت مدججة بالحب كي لا تبقى الارض مدججة بالسلاح ضد ناسها، ولم ننجح، نعترف، حتى الآن أخفقنا وأنت من ساهم وخطط وساعد لنفشل، فكيف نزعل لرحيلكِ؟!
أراقب مشهد الرحيل وأرجع بالقلب شهوراً الى الوراء، في حكي السياسة أرى اثنين، “حزب الله” و”القوات اللبنانية”، أرى حزباً أدخلنا في نفق الايام، في وعر الخطر، في جمهورية بلا رئيس، في فكر آحادي خطير، في حرب ليس لنا فيها، في قوافل موت شباب هم لبنانيون سقطوا في غير لبنان، خسرناهم، خسروا أحلامهم، خسر الوطن طاقاتهم، حولتهم أرض الغرباء الى سمادها ونحن نحتاج أن تروي دماؤهم غليل الارض، لينمو شرف الوطن لينعشوا الكرامة، راحوا هباء…
أرى قواتاً لبنانية جعلتنا نبقى في الوطن قلباً يحيا لاجله، علّمتنا معنى الانتماء، قوة الصبر، حكمة التواصل، عمق الحب بين أرض صمدت لانها روت شرايين كرامتها من دمائنا وتصمد لأنها تحيا من قوة نضالنا وعناد استمراريتنا.
أرى رجلاً سياسياً من الطراز الاول اعتنق وطنه، وليس أقل، أرى رجلاً سياسياً شفافاً مفعما بقلبه، لم ينس لحظة انه انسان وليس مجرد زعيم لمجموعة أو طائفة، انسان ينبض لأجل وطنه، يسعى مع ناسه ليرفع من قيمة النضال ليعيد لبنان الى مصاف الاوطان العابقة كرامة، يفشل أحيانا، ينجح غالباً وإن بالحد الادنى، على الاقل نجح بوقف هدير الولاية التي ما زالت تطرق بعنف على باب كيان الارض، وهو يصدّ بعنف، يصدّ مع حلفائه بالوطن، كي يبقى الوطن… وسيبقى، الف مرة سيبقى، الاف الاعوام سيدوم بعد، انا اؤمن أنا أعرف…
في ليلة رحيلك أرى جيشاً يوغل في الدفاع عن الارض، تحاصره نوايا سوداء تضمر له البقاء في العجز، في اللاكرامة، في اللاقدرة على المواجهة، في اللاشيء، لكنه يقاوم، عين تقاوم مخرزاً، جيش جعل من وطنه ساحة شرفه، ومن الارهابيين والمحتلين ومن يدعمهم مشروعاً آيلاً للسقوط الآن وغداً وكل يوم حتى آخر الايام، هذه حكايته هذه بذة الشرف التي اعتنقها…
وأنت ترحلين لا تنظري إلينا تستجدين البقاء، لن نسمح لك، لن نقف مكتوفي الايدي نراقب الموت الذي ترمينه جثثاً نتنة فوق عمرنا الآتي، وأنت ترحلين نحن نتسلّح بالايمان، بالقوة، بألف عام جديد من الحب لنرمي آثارك بها لنمحو ظلالك المتوهجة ارهاباً، سنقاوم المخرز، سنرتكب حب الارض وسترين ما سنفعله، سنكون قواتاً لبنانية لاجل الوطن، سنكون لبنانيين لاجل الانسان والقديسين والارض…
بليلة رحيلك أكثر من الف كأس نبيذ سنرفع لنشرب حتى الثمالة كأس عام ميت وسنة تتراقص وباغواء العالم بأحلامنا الاتية نعدك، هو قلبنا يتراقص فوق شفاهك فكيف لا نُقبل على تقبيلكِ؟ ولن تكون المقبلة ذاك الحب المستحيل، نعدك…
