#adsense

إن ننسَ فلن ننسى: شهيد؟ لا… اثنان… عندما اشتاق قبلان لنادر

حجم الخط

 كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” العدد 1463:

 

قلنا فلنتحدث عن الشهيد قبلان، فخرج نادر من الذاكرة وقال أنا هنا أيضا، شهيدان في بيت واحد وقضية واحدة مع فارق واحد، الزمان والمكان، قبلان ونادر رحمة.

  

هذا لم يحصل سابقا إلا في لبنان، في حروب لبنان الكبيرة والصغيرة، ست شباب إخوة، ثلاثة منهم في الجيش اللبناني وثلاثة في “القوات اللبنانية”، وصبيّتان أعلنتا منذ وعيهما الأول الانتماء الى القضية. هم أبناء دير الأحمر، تعرفون تلك البلدة البقاعية حيث الهوى الشمالي غيّر غالبا من لون الأعداء واتجاههم. دخل الاحتلال السوري الى كل لبنان وقلب البلدة وربض عند قدرها، كان الدخول وكأنه قرع جرس الكنيسة في الضيعة حين تنادي الأهل ليهبّوا لإطفاء حريق ما، وكان الحريق كبيرا، قصف واحتلال واعتقال و… ومواجهة.

 

توّزع الشباب خلف متاريسهم، ذهب نادر من جبهة الى أخرى الى أن وصل الى دير بلّلا، كان العام 1985، هناك اشتعلت الجبهة لإنقاذ البلدة الشمالية من براثن الاحتلال. كان على نادر ألا يلتحق أساساً بتلك الجبهة، بعدما كان استلم لفترة مركز القطارة قبل أن يصاب القلب الكبير الشجاع بنوبة قلبية، تبيّن على أثرها أنه يحتاج عملية قلب مفتوح، فأرسلته القيادة الى أميركا للعلاج وكان عليه أن يرتاح طويلاً بعد العملية. لكن القلب الشجاع رفض أن يستقيل من حب الأرض، وذهب يتابع ما يجري في البلدة، لم يلتحق بالمتراس إنما بالمكان ليتابع من قرب ما يجري، أرهق القلب الرقيق فخانه ولم يصمد، فذهب في عمر المسيح تماماً، ثلاثة وثلاثون عاماً، وكانت له طفلة صارت الآن امرأة ناضجة قلبها ينبض بقلب الأب، وتحكي حكايته كلما عنّ على بالها وطن حر مسيّج بالكرامة.

 

لم تنته الحكاية هنا، بل بدأت فصول حكاية جديدة في بيت الشهيد إياه، حكاية فيها الكثير من البطولة غير المتوقعة بعد، الكثير من الدموع التي لم تنحدر نزولا فوق خدود حزينة، إنما صعدت عكس الطبيعة لتلامس عنفوان القلب. حلّت اللعنة على المسيحيين، حرب تحرير مفترضة تلتها حرب إلغاء أيضا مفترضة، وفي البيت ثلاثة إخوة في الجيش الخاضع لسطوة ميشال عون. لم يحتمل هؤلاء الوضع، لم يحتملوا إطلاق النار على إخوتهم في “القوات اللبنانية”، وكانوا تعرّضوا للكثير من الضغوطات والتحقيقات بحجة إخفاء معلومات عن القيادة وما شابه، فكان القرار الكبير، تركوا جيش ميشال عون، اثنان التحقا بـ”القوات” وثالث ترك كل شيء ليعتكف في المنزل! لم يتركوه بحاله فلحقوا به، فرقته تحديداً التي كانت تعمل بأوامره، حاصروه، أهانوه وانتشلوا صورة أخيه الشهيد ومزقوها ساخرين أمام عينيه، عله يرتدع ولم يفعل.

 

في هذا الوقت أصيب الوالد بالذعر الشديد، فطلب من قبلان، ابن الخامسة والعشرين الثائر، أن يترك بيروت وأن يعود معه الى الضيعة، الى دير الأحمر ليساعده في الاهتمام بالبساتين، وأصر على تزويجه بأسرع وقت علّ قبلان ينسى تلك الريح المجنونة التي تعصف فيه، وينسى الجبهة والبزة الخضراء التي كان لبسها ليدافع عن شرفه. تحت وطأة الحاح الوالد انصاع الابن ولكن، وبعد مرور خمسة وعشرين يوما على زواجه، ما عاد يحتمل الانتظار ورفاقه هناك وهنالك يناضلون يدافعون عن الكرامة المسيحية ضد سطوة الشخص. وقبل الفجر وبعد مرور خمسة وعشرين يوما على زواجه، ترك المحبس لعروسه وهرب من الضيعة والتحق بجبهة القليعات وغابت أخباره عن الجميع. جنّ الأهل من القلق فقررت أخته جميلة الذهاب من بيروت الى كسروان لتقصّي أخباره. كانت حاملاً والطرق مقطّعة فعبرت سيراً من جسر نهر الكلب، ولما وصلت أحد الحواجز أخبرها أحدهم وبكل قسوة: “روحي تضبضبي إنتي وإخوتك خيّك مات بالقليعات وما صمد معنا أكتر من يومين”، وانهارت الأخت على الطريق… كان قبلان استشهد في القليعات على أثر كمين نصب له ولرفاقه، هذه هي الريح التي ندهته ولم يتمكن من مقاومتها، ريح الشهادة فداء قضية حملت منذ أولى بذورها كلمة “لا” لكل طاغية ومحتل وطامع.

كان بيتا مقاوماً، للجيش فيه ملائكة ولـ”القوات” ملائكتها، “مرّات بحزن وبتأسف على شبابهم، ومرات ومرات بقول لأ أنا إخت شهيدين وبحكي عنن دايما بفخر لأنهم دافعوا عن مسيحيتهم، ومرات بحسّ إنّن راحوا ضيعان وما عملنا شي ورجعنا ع الصفر لأن شهادتهم لم تثمر كما كان يريد المسيحيون” تقول الست جميلة، تلك السيدة الجميلة القلب التي تعلّق صور عرسان القضية كمن يضع مزهرية من زهر نوّار يفوح وجههما عليها وعلى إخوتها وأولادها بعطر حتى الآن لم يبهت.

 

هي حال أهل البيت بأجياله المتعاقبة جميعا “واذا هلأ طلبتنا القوات كلنا منرجع منلتحق”، يا الله كيف لا تغمرك السخافة أمام عظمة شهادة بهذا العمق، وكيف لا يروح العنفوان الى عمق الأمل بوطن عن جدّ حرّ، عندما تقرأ واحدة من رواياتهم المتشابهة بطولة؟…

 *لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل