
كتبت غنوة غازي في صحيفة “النهار” الكويتية:
تحت عنوان تنفيس الاحتقان توجت أول أيام الروزنامة السياسية اللبنانية مساء أمس بالجلسة الحوارية الثانية بين حزب الله وتيار المستقبل، والتي عقدت في دارة رئيس المجلس النيابي نبيه بري في عين التينة، وحضرها بري ممثلاً بمعاونه علي حسن خليل.
ولعل اللافت الأبرز في جدول أعمال الجلسة الثانية وعنوانها، هو حديث مصادر مواكبة لجلسات الحوار عن كثب لـ”النهار”الكويتية، عن اشتراط المستقبل كون المدخل العملي لتنفيس الاحتقان يبدأ أولاً بقرار يتخذه حزب الله يعلن فيه حل ما يسمى سرايا المقاومة ورفع الغطاء السياسي عنها، خصوصاً بعدما شكل وجود مثل هذه الظاهرة حالاً من الاستفزار لدى أطراف سياسيين عدة من بينهم المستقبل، نظراً الى تهديدها الاستقرار العام من خلال المس بالأمن الذي يتسبب فيه انتشار السلاح في عدد من المناطق وتحديداً في المناطق المشتركة أو المتداخلة بين المستقبل وحزب الله، حسب المصدر، الذي أكد قبل ساعات من انعقاد الجلسة انه حتى الآن لم تظهر أي بوادر ايجابية من جانب حزب الله منفتحة على هذا الطرح او حتى قابلة لمناقشته بايجابية، رغم احراز تقدم ملحوظ على مستوى الاتفاق على تخفيف النبرة الخطابية في وسائل اعلام كلا الطرفين، وتهدئتها الى مستوى اكثر اعتدالاً وقبولاً للآخر، كذلك الامر في الخطب الدينية في الجوامع والحسينيات، بالاضافة الى شبه اتفاق الطرفين على تخفيف جميع المظاهر الاستفزازية في الشوارع، كالأعلام والشعارات، تحديداً في المناطق المتداخلة بين الطائفتين السنية والشيعية والتي يتخوف الطرفان من ان يسهل استغلالها لاشعال الفتنة في أي وقت اذا ما استمرت على حالها من الاحتقان والاستنفار المذهبي المخيف!
ولم يستبعد المصدر أن تكثر البيانات المشتركة الناجمة عن جلسات الحوار الثنائي، والآيلة للتركيز على المناخ الايجابي للحوار سعياً لتحقيق هدفه الأبرز والأسهل بتبريد الرؤوس الشعبية الحامية في صفوف المناصرين لكلا الفريقين.
ويرى مصدر مقرب من حزب الله أن مجرد طرح الرئيس سعد الحريري لموضوع السرايا في لقائه التلفزيوني الاخير يدل على مدى انزعاج الأخير منها، وكأنه أعطى بذلك شهادة حسن سلوك ونجاح مهمة هذه السرايا باختراق الشارع الذي يعتبر المستقبل أنه يسيطر عليه بالكامل ويتحكم باتجاهاته السياسية والأمنية وغيرها.
ورأى المصدر لـ”النهار” الكويتية، أن المهم في سرايا المقاومة هو أن عملها يندرج في اطار وظيفتين أساسيتين، الأولى هي استعادة الشارع اللبناني، السني على وجه التحديد الى جوهره الأساس، العروبي الناصري كما عهدناه في صيدا وطرابلس وبيروت، واعتبر ان تيار المستقبل أخذ هذا الشارع باتجاه مختلف ومعاكس، ما ترك أثراً سلبياً لدى أصحاب القناعات والمفاهيم والثقافة العروبية والقومية، مخلفاً مساحات فراغ مدوية في الشارع السني وان كان بعض العقائديين قد عضوا على الجرح بدايةً ولم ينجرفوا لكنهم اضطروا لمسايرة السواد الأعظم كي لا يتم نبذهم في مجتمعاتهم.
ولفت المصدر الى أن سرايا المقاومة أتت في فترة حساسة لتدغدغ مشاعر العروبيين في الشارع السني، والاهم أنها استقطبت قسماً كبيراً من الشباب السني، ما احدث خللاً في البنية الأساسية لهذا الشارع الذي يبني عليه تيار المستقبل سياسته، والذي تكلف لاستقطابه الكثير من ماله واعلامه وسياساته.
وقال المصدر ان المهمة الثانية لسرايا المقاومة هي المهمة الأمنية العسكرية، التي فقد تيار المستقبل جزءا من السيطرة عليها بفعل سرايا المقاومة، بعد ان نجحت باستقطاب شريحة غير قليلة من الشباب الذين يعتبرهم تيار المستقبل عصبه الاساس في التحركات الميدانية وفي المواجهات من تظاهرات وقطع طرقات وغيرها، ما احدث خللاً في بنية المستقبل، ولا يستبعد المصدر ان تكون سرايا المقاومة نفسها هي أحد الأسباب الرئيسية التي ساهمت بتأجيل الانتخابات النيابية، كون توسعها ألحق خسائر كبيرة على مستوى التمثيل الشعبي لتيار المستقبل.
وعن طبيعة عمل سرايا المقاومة في المناطق اللبنانية أكد المصدر ان السرايا ليست جديدة بل فكرتها قديمة تعود الى بداية التسعينيات عندما فتح السيد حسن نصرالله باب الانتساب اليها لنزع تهمة التفرد والاحتكار الشيعي للمقاومة، غير أنها لم تكن واضحة من قبل لأن العديد النخبوي فيها لم يكن كبيراً، مشدداً على ان المناوشات المذهبية التي حصلت على خلفية أحداث مايو 2008 هي التي أدت لظهور سرايا المقاومة أكثر الى العلن وأتى تظهير حزب الله لها في اطار الرد على كل محاولات اشعال الفتن المذهبية، ولاظهار المزيد من التفاف الشعب اللبناني بكل مكوناته حول المقاومة من خلال السرايا، بعدما أصبحت ملاذاً لنسبة كبيرة من الشباب اللبناني غير المؤمن بأي من الاحزاب الرئيسية غير الفاعلة على الساحة السياسية.
وعن انعكاسات طرح المستقبل شرط حل سرايا المقاومة على الأجواء الايجابية المحيطة بالحوار الثنائي مع حزب الله، اعتبر المصدر أن المستقبل يحاول الاستفادة من هذا الحوار لابعاد أي طرف من التدخل في ساحته السنية، ويأتي ذلك بعد أن فشلت محاولاته الحثيثة لاحداث أي خرق يذكر في الساحة الشيعية، سواء من خلال الشخصيات الشيعية التي اختارها لتمثيله في البرلمان، والتي أثبتت انها بدورها عاجزة عن تشكيل اي حيثية مؤثرة في المجتمع الشيعي، أو من خلال محاولاته الدؤوبة لاستمالة الشارع الشيعي بالخدمات والاموال!
واعتبر المصدر ان طرح المستقبل مطلب حل سرايا المقاومة غير منطقي لأنه يعني ضمناً تكريساً للكانتونات المذهبية وبناء قواعد اشتباك جديدة ضمن حدود كانتونات وخطوط حمراء مذهبية، وبالتالي العودة الى المتاريس بدل الانفتاح على الآخر وقبوله والتعايش معه، متوقعاً أن يأتي رد حزب الله على هذا الطرح بطريقة دبلوماسية مرنة قد تعالج المسائل النافرة كالظهور المسلح للسرايا في المناطق الحساسة مذهبياً، غير أن ذلك لا يعني استعداد الحزب لمناقشة مسألة سرايا المقاومة في الجوهر على الاطلاق.