
كتب أمجد اسكندر في مجلة “المسيرة” – العدد 1490:
في زيارته الأُولى الى الصين بادر هنري كيسنجر رئيس الوزراء الصيني قائلاً: الصين بالنسبة الى الوفد الأميركي “أرض الألغاز”، فأجاب شو إن لاي: لكن هناك مليار صيني يعتبرونها دولة عادية جداً!
وبما أن الشيء بالشيء يُذْكَر، الصين وأميركا بـ”القوات” والعونيين تُذَكِّران!!!!
المقارنة ليست في الحجم الاستراتيجي بل بتساوي حجم الألغاز!
ما هو عادي جداً لهذا الطرف المسيحي، يكاد يُطَيِّرُ صواب الطرف المسيحي الآخر.
الغيض من الفيض هو اختلاف “القوات” والعونيين في الرأي والمودة تجاه البطريرك صفير والسيد حسن نصرالله.
وبما أن الصين وأميركا رغم الاختلاف الجذري بين نظاميهما، ومساحتيهما الجيوسياسية المترامية الأطراف قد نجحتا في التوصل الى علاقات طبيعية بينهما، فالأمل لا يبدو مستحيلاً على هذه الرقعة الممتدة بين القبيات ومرجعيون.
وللقارئ الذي قد يستغرب هذه المقارنة السوريالية بين الصين وأميركا و”القوات” والعونيين، أُحِيلُهُ الى مقاربة أقرب مسافةً ومساحةً.
أقليم كردستان في العراق.
على مدى عقود من الزمن انقسم الأكراد بين حزبين. هذا الانقسام سبَّبَ حروباً وأحقاداً وأسال دماءً وهدم مدناً وقرى. وهذا الانقسام انعكس تحالفات إقليمية متعارضة ومتشابكة ومتغيّرة بسرعة الأحداث وبسرعة المعارك التي كان الحزبان ينجذبان إليها. وجاء وقت كان البارزاني يحارب طالباني وكان صدام حسين يقصف بالطائرات الإثنين معاً. اختلف الأكراد في كل شيء إلا في إقامة أقليم مستقل بهم.
وكما أن المسيحيين منتشرين في كل المشرق، ولا ينحصر وجودهم في لبنان، كذلك لا يتواجد الأكراد في العراق فقط بل هم أكثر عدداً في تركيا وإيران وسوريا.
لكن البارزاني وطالباني أرادا في العراق “مرقدا للعنزة”، ونجحا.
ما هي المسألة التي يجب أن لا يختلف في شأنها الحوار القواتي ـ العوني؟
قد يقول قائل حقوق المسيحيين في الدولة، وفي دولة الطائف على نحوٍ أدق.
ليس بالضرورة أن نستنسخ التجربة الكردية بتفاصيلها، ولكن العبرة ليست مضرة في هذا المجال. في اللحظة التاريخية لدخول الجيش الأميركي الى العراق، لم يلتفت الأكراد الى حقوقهم السياسية في “الدولة”، بل الى حقهم في “العراق”. فهل يجوز للحزبين اللذين يمثلان علناً المسيحيين في لبنان، وضمناً المسيحيين في المشرق أن يقتصر حوارهما على الحقوق السياسية المهدورة في دولة تتدهور أصلاً، وفي محيط تكاد كل دولِهِ تعيش تغييرات جذرية؟
المسيحيون يريدون أن يكون جدول الحوار أكبر من الصلاحيات المنقوصة، وأصغر من مصالح الصين وأميركا! يريدون حواراً على الطريقة الكردية. شيء ما يشبه “مرقد العنزة”. وللعلم بعدما نجح الأكراد في إقامة ” إقليمهم”، وفي ظل الصراع السني ـ الشيعي في العراق، لم يكن أمام العراقيين إلا خيار انتخاب رئيس جمهورية من المُكَوِّن الكردي، “لجمهورية العراق الفدرالية”.
“إقامة الإقليم” لم تمنع انتخاب رئيسين كرديين للعراق الجديد. رئيسان، واحد بعد آخر. جلال طالباني ثم فؤاد معصوم. من يدري؟
