
على امتداد خط الأوزاعي المتاخم للشاطئ «الحكي مِش مِتل الشوفة»، فقد فعَلت زينا فعلتَها وأجبرَت عدداً من العائلات على تركِ المنازل. دخلنا تلك الأحياء الضيّقة حيث الأبنية متلاصقة ومتراصّة إلى حدٍّ تعجز الرياح عن اللعب بينها.
بدا المشهد أشبَه بكوخ رعب، أمواج تلاطِم الأبنية السكنية، جدران متفسّخة، سلالم متآكلة درجاتها فاستُبدِلت بألواح خشبية، ردميّات ممزوجة بأغراض منزلية وألعاب أطفال، وبقايا حلويات، ودواليب سيارات… قذفَها البحر.
هدير البحر الهائج، خرقَه، صوتُ رصاص متقطّع، وما إنْ حاولنا الاستفسار حتى توجَّه نحوَنا أحد شبّان المنطقة، مطَمئناً، «ما تخافوا الشباب عَم يتصيّدوا عن البلكون طيور النورس، هلّق موسَمو».
لم نكد نكمل جولتنا حتى ارتفعَ شِجار على مقربةٍ منّا، «هيدا كلب! لا هيدي بقرة!». ما إنْ اقترَبنا، حتى وجدنا ولدين من الحيّ يتشاجران حول حقيقة حيوان قذفَه البحر إلى أمام أحد الأبنية، ومن دون أن تحسمَ هوية الحيوان، تابعَ الولدان استغلال الوقت للّعب تحت المطر.
منعاً للمياه… وللجراذين
وعلى مقربةٍ من الأبنية المزروعة بعشوائية لم تكن حالُ أصحاب المتاجر أفضلَ بكثير، فمع اشتداد العاصفة بدأ علي ينقل المياه بالدلوٍ بعدما طاف «كاراجُه». أمّا جارُه فاشتكى من همَجية العاصفة، وهو يحمل حجرَي خفّان بكلتا يديه قائلاً: «يكاد يقع الإترنيت على رؤوسنا، لا بدّ من تدعيمه بالحجارة، وإلّا طارت «القهوة» وخسرتُ زبائني».
أمّا مَن احتالَ على زينا، ودَعَّم سقفَه مسبَقاً، فغدرَته الأوساخ والأتربة التي جرفَتها غزارة السيول والأمطار، لتستقرّ على مدخل صالون للحلاقة، أو في طرَف «سَحاحير» الخضرة المفروشة على الطريق، مع الإشارة إلى غياب الأرصفة.
«والريحة شو منعمِل فيا؟»، سؤال وجيه طرحَه الحج حسين وهو يتأفّف من رائحة كريهة تفوح من «ريغار» لمجارير الصَرف الصحّي عائمٍ إلى جانبه، بفِعلِ تجمُّع الأوساخ. إلّا أنّه سرعان ما انهمَك في تعداد النراجيل الجاهزة لـ«دليفري»: «الشباب قاعدين، الطلب بزيد، بدنا نكون مستعدّين».
وعلى طريقة «بالتي هي أحسن» حاولَ الأهالي تحيُّنَ لحظات هدوء العاصفة لتحصين أنفسهم.
أمّا مَن سبقَ وطاف منزله بالأمطار فقد فضَّلَ وضعَ تصوينة خاصة، لوحاً خشبياً مدعّماً بالحجارة، على عتبة الباب، فتخبر أم ربيع: «ذقنا اللوعة العام المنصرم، وصورة حيّ السلّم لا تزال ماثلةً في أذهاننا، فلا نريد دفع الفاتورة مجدّداً، على أيّ حال هذا الفاصل يسدّ المياه ويمنع دخول الجراذين والحشرات إلى المنزل».
… الورشة «القايمة»
في محيط مخيّم صبرا وشاتيلا لم يكن الوضع أفضل: «إذا ما شَتِّت مصيبة، وإذا طافِت مصيبتين». إنهمَكَ محمد بإزالة المياه التي تسَلّلت إلى محَلّه الملاصق للمخيّم، حيث بدا المشهد غريباً، كلٌّ من أصحاب البَسطات يمسك «شفّاطة» بيَدِه يقذف بها المياه باتجاه الطريق، أمّا المارّة فلم يجدوا وسيلةَ عبورٍ إلّا بالقفز فوق الحفَر التي تحوَّلت إلى برَكِ مياه.
حيالَ «الورشة القايمة» في الأحياء المكتظّة، والصرخة العارمة، أحدُهم يندب حظّه، وآخر يحمد ربَّه، تلقّف أهالي منطقة الروشة تداعيات زينا على نحوٍ مغاير، فغلبَ الهدوء وروح التحدّي بترميم ما تحطّم وإعادته أفضل ممّا كان، على حدّ تعبير أحد المستثمرين المتضرّرين: «مَن يتملّك في محيط الروشة أو يستثمر، فلن يغصّ لا بزينا ولا بنحّول».
أكثر تداعيات العاصفة نالت من واجهات الزجاج التي تميّز المنطقة، سواءٌ في المطاعم أو الفنادق. في هذا الإطار تحدَّث غسان، أحدُ المشغّلين للمطاعم المحاذية لصخرة الروشة، قائلاً: «مِن الطبيعي أن نستفيد من المنظر البانورامي ونلجَأ إلى الواجهات الزجاجية، فذلك يميّزنا عن سائر المطاعم. ولكنّ المؤسف أنّنا مع كلّ عاصفة ندفع الثمن أضعافاً، ينهار زجاج، يتمزّق ستار، أو يصيب الصدَأ الأغراض».
شكراً… زينا
هدوء الروشة انسحبَ على المنارة وعين المريسة، حيث تجمَّع المواطنون على «السنسول»، فلا لسعةُ البرد القارس ولا المطر المنهمر منعاهم من ممارسة هواياتهم، وأبرزها تأمّلُ الأمواج العاتية، ممارسة الرياضة، وحتى اصطياد السمك.
في هذا السياق التقينا الصياد عبد عثمان، وهو عميد متقاعد يمارس الصيد منذ 40 عاماً، وقد حرصَ على شكر العاصفة قائلاً: «شكراً زينا، لأنّ الطقس العاصف يجذب سمك السرغوس الذي يَزن الفرخُ الواحد منه نحو نصف كيلو، فهذه متعةٌ لا أفوّتُها».
طيلة فترة جولتنا المشهدُ عينه يتكرّر، لم يخلُ شارع أو طريق عام، من شخصين يتبادلان الصوَر أو يلتقطان selfie، إمّا مع شجرة اقتُلِعت، أو قسطلٍ مكسور… وغيرها من المشاهد الغريبة التي أرخَت زينا بظلالها.
ختاماً، بين «كحّلتها» و«عمِتها»، إنقسمَت آراء اللبنانيين في توصيف تداعيات زينا. ولكن من الواضح أنّها كشفَت عيوباً، وفضحَت تجاوزات المواطنين والمسؤولين على حد سواء.