#adsense

” قلنا لكم … “

حجم الخط

رَصْدُ المواقف وردود الفعل والتصريحات حول العمليّة الارهابيّة في باريس، والصادرة من طهران ودمشق وفروعهما في بيروت وبعض أنحاء “قوس الممانعة”، يكشف نمطيّة جامدة تكاد تجعل نصوص الاستنكار مطبوعة على “دكتيلو” واحد.

تتوِّج هذه التصريحات، بشكل أو بآخر، عبارة ” قلنا لكم”، أو بسؤال “ألَمْ نقل لكم؟”، بما يجعلها أقرب إلى الشماتة من الإدانة، أو إلى نوع من التلقين والتمنين والأستذة يجعل استنكار الارهاب تأييداً ضمنيّاً له، أو ابتهاجاً مكتوماً ومريباً يكاد يقول: خذوني!

ولا حاجة لجهد استثنائي من أجل ملاحظة هذا الأساس المشترك في المواقف والتصريحات المستنكِرة، من الخارجيّة الإيرانيّة إلى الخارجيّة السوريّة إلى بيانات إعلام “حزب الله” إلى تغريدة ميشال عون ومنه إلى الفرعيّات الأدنى والصنوج الأصغر.

في الواقع، لم يرَ جميع هؤلاء في الهجوم الارهابي على أسبوعيّة “شارلي آيبدو” في باريس، سوى نتيجة لدعم الغرب والعرب منظّمات الارهاب في سوريّا والعراق ضدّ أنظمة “الخير والبركة”، وكأنّهم مقتنعون بمعادلتهم الذهبيّة: أنتم مع الارهاب ونحن ضدّه! نتصدّى له ولكم معاً!

والحقيقة هي غير ذلك تماماً: فالارهاب الذي يضرب الغرب والعرب معاً هو نتاج عقود طويلة من أنظمة القمع والقتل والسحل، والتي لم يبقَ منها نماذج حيّة وفاعلة إلاّ بعدد أصابع اليد الواحدة، ويتصدّرها نظام بشّار الأسد والتنظيمات غير الحكوميّة المماثلة له.

ولمزيد من الدقّة في تحديد أبواب أو أنواع الارهاب، يجب توزيعه على ثلاثة:

–  “الارهاب الديني”، الذي يغوص في تأويل منحرف للنصّ التاريخي وسلوك السلف، بما يحضّ معتنقيه على الحدّ الأقصى من الكراهيّة والعنف والغلوّ إلى حدّ الإلغاء. وهذا الارهاب هو هدف مركزي  للمرجعيّات الدينيّة المحوريّة من الأزهر إلى مكّة إلى كلّ مراكز العلم والهداية والاعتدال، من أجل اجتثاث جذوره، وللمرجعيّات السياسيّة العليا في العالمَيْن العربي والاسلامي من أجل تدمير مواقعه وتجمّعاته. وليست المشاركة الفعّالة للدول العربيّة في الحرب عليه سوى إثبات لهذا النهج. ويجب عدم السهو عن حقيقة أنّ الارهاب الديني المستحدث نما على ضفاف نشوء الدولة الاسلاميّة المعاصرة التي حملت إسم”الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة”، وكانت سبّاقة في العمليّات الارهابيّة ومنطق العنف والقوّة.

–  “الارهاب العلماني”، أو إرهاب الأنظمة الدكتاتوريّة، منذ رعاية الاتحاد السوفياتي لمنظّماته ودوله في الستّينات وما بعدها، وقد خضّ العالم من بيروت إلى ميونخ إلى خطف الطائرات والسفن وتفجير الميترويات والشوارع والمدن غرباً وشرقاً. وكان للبنان نصيب دامٍ ومروّع منه، تشهد على آثاره المرعبة طرابلس وبيروت وزحلة وعشرات البلدات والقرى والمدن. وقد صدّر بعضُنا نماذج منه إلى العالم من بيونس أيرس إلى بلغاريا.

–  “الارهاب الجنائي”، وهو غالباً عمل فردي ناتج عن مرض نفسي أو هوس، كما حصل مراراً في مدارس أو مصانع ومجمّعات في أميركا، وآخر نماذجه تمرين دموي مارسه ممرّض على مرضاه.

بين الأنواع الثلاثة، يبقى الثاني هو الأشدّ خطورة، طالما أنّه يقوم على دول وحكومات ومنظمّات “أفعل من الدول” أحياناً، وفق التوصيف الإيراني ل”حزب الله” على لسان علي لاريجاني.

الارهاب “العلماني” هذا لا يميّز بين ضحاياه، فأطفال درعا والمنشد ابراهيم القاشوش والفتى حمزة الخطيب وجميع ثوّار سوريّا وعشرات آلاف الأبرياء، يُشبهون رفيق الحريري وبيار الجميّل، وقبلهما وبعدهما سائر شهداء استقلال لبنان، كما يُشبهون “القاعدة” و”داعش” والشقيقين كواشي اللذين ارتكبا مذبحة باريس. جميع هؤلاء إرهابيّون بدمغة واحدة، ويجب استئصالهم.

قالوا للأطفال لماذا تكتبون على الجدران، وللمغنّي لماذا تكتب وتلحّن، وللرسّام لماذا ترسم، وللفتيان والصبايا وطالبي الحقوق لماذا تتظاهرون.

قالوا لرفيق الحريري لماذا تحمي نفسك بكلّ هذه الحراسة كي تُجبرنا على كلفة أكبر لاغتيالك، ولباسل فليحان لماذا كلّ هذا العِلم والمعرفة.

وقالوا لبيار الجميّل لماذا تتجوّل وتقوم بواجب إجتماعي، ولجبران تويني وأنطوان غانم لماذا عدتما من السفر، ولسمير قصير وجورج حاوي لماذا تخرجان أعزلَيْن وتتحدّثان في الحريّات والسلام، ولوليد عيدو لماذا غادرت منزلك، وللوسامَيْن لماذا تلاحقان المجرمين والقتَلَة، ولفرنسوا الحاج لماذا ضربتَ لنا “فتح الاسلام”، ولمحمّد شطح لماذا تروّج للحوار والاعتدال.

لم يفهم الغرب والعرب هذه الحقيقة، ولم يأخذوا ب”نصائح” ملائكة دمشق وطهران والضاحية والرابية، فليتحمّلوا النتائج إذاً، في شوارعهم وصحفهم ومعالم حضارتهم.

 ” قلنا لكم ..”. ” ألم نقُلْ لكم؟”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل