#adsense

سجون وساحات: جو سركيس: من بلدية بيروت أعدنا العلاقة مع الرئيس الحريري والانتخابات البلدية عام 1998 أظهرت شعبية “القوات”  

حجم الخط

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1418:

 قد يكون من الاوائل الذين كسروا جدار العزلة المفروضة على القوات اللبنانية السجينة تحت الأرض في وزارة الدفاع وفوق الأرض على مساحة كل لبنان.

من دون ضجيج كثير كان عاملًا أساسيًا في فك القيود وإعادة حرية الحركة في العمل النقابي والبلدي والسياسي لـ “القوات”، معتمدًا سياسة القوة الهادئة، بالتعاون مع كثير من رفاق الدرب يومذاك نذروا العيون مع ستريدا جعجع لمقاومة… المخرز.

عن كل تلك السنوات من النضال السرّي والمعلن على حد سواء، عن اختراقه السلمي لحواجز عهد الوصاية وأزلامه، يتحدث الوزير السابق جو سركيس… يكشف أسرارًا للمرة الأولى ويتذكر.

بعد حل حزب “القوات اللبنانية” وغياب الدكتور سمير جعجع واعتقاله، يقول جو سركيس “إعتبرت أن عملنا خلال الفترة المقبلة التي لم يكن بامكان أحد تحديد مدتها الزمنية، لا بد أن يهدف إلى تحقيق أمرين أساسيين:

اولًا: العمل على توفير ظروف مناسبة بحدها الأدنى، تسمح للدكتور جعجع بالتغلب على صعوبة الإعتقال، وتأمين دعم معنوي وعملي من الخارج يساعده على الصمود، ويعزّز فينا الأمل بخروجه حيًا وسالمًا في أقرب وقت.

ثانيًا: العمل على إبقاء “القوات اللبنانية” على قيد الحياة، وتأمين إستمرارية حركتها من خلال حد أدنى من إمكانية التواصل والعمل، على الرغم من الحظر والخطر الناتجين عن قرار حلّ الحزب وإعتقال قائده مع عدد من كوادره والكثير من الشباب، وعلى الرغم من القمع الذي كان يمارسه النظام الأمني القائم آنذاك. ويذكر الجميع القرار الصادر عقب حلّ حزب القوات والذي حظّر اجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص، وإلا إعتُبر الأمر عملا غير مشروع يحاسب عليه القانون.

ومن أجل تحقيق هذين الأمرين تحديدًا إضافة الى الأهداف الأخرى، كان لا بد لنا في قيادة “القوات اللبنانية”، أن نتحمل المسؤولية ونلتفّ جميعًا ونتجمّع ضمن إطار استثنائي ومرحلي. وكان من الطبيعي أن يكون مقرّ هذا التجمّع ومركز حركته منزل الدكتور جعجع في منطقة يسوع الملك وليس أي مكان آخر، نظرًا لرمزيته ولرغبتنا في إبقائه مفتوحًا وإبقاء النشاط مستمرًا فيه وحده، ونظرًا لما لذلك من معنى التوحّد في وقت كانت جهات أمنية تعمل على تفريق الصفوف لإضعاف “القوات” مستغلة الضياع الذي أصاب بعض القواتيين نتيجة الحدث الكبير.

وكان من الطبيعي أيضًا أن يكون على رأس هذا التجمّع ومحرّكه الأساسي السيدة ستريدا جعجع، نظرًا لتواصلها المباشر والمستمر مع الدكتور جعجع، وتبادلها معه الآراء، ونقلها توجيهاته لنا، ولانفرادها ربما، ولأسباب عدّة، في تحمّل هذه المسؤولية”.

 

كيف تمكنتم من إقناع القاعدة القواتية بالإلتفاف حول هذا الخيار؟

يجيب سركيس: “لقد تبيّن للقواتيين وللبنانيين أن الإطار الاستثنائي والمرحلي الذي اعتمدناه لإدارة المرحلة كان صائبًا، بحيث استمر “تجمّع يسوع الملك” قائمًا وفاعلًا طيلة سنوات الإعتقال، على الرغم من الصعوبات والعوائق والمخاطر التي واجهته من دون انقطاع. ونجح في تحمّل المسؤولية وتنفيذ المهمة التي أوكلها لنفسه. فقد عاد الدكتور سمير جعجع إلى الحرية بعد أحد عشر عامًا وثلاثة أشهر من الإعتقال السياسي، وبقيت القوات اللبنانية حركة سياسية ونضالية حية.

وردًا على أزمة التشكيك التي واجهتنا آنذاك لا يسعني إلا أن أعبّر عن أسفي لابتعاد رفاق قياديين سابقين بسبب اعتراضهم على الخيار الذي اعتمدناه، وقرّروا سلوك طرق مغايرة والقيام بتحركات لم تكن لتخدم القضية التي من أجلها ضحّى سمير جعجع بحريته وخاطر بحياته. ولو نجح هؤلاء بحركتهم، لما عاد سمير جعجع إلى الحرية ولما بقيت للقوات هويتها اللبنانية”.

 إختار الرهان الأصعب كقلة من الأوفياء الذين آمنوا أن كل حق وراءه مطالب لا يموت، وأن براءة الحكيم والقوات حق مقدس يجب أن يعود لا محال. وكغيره من القيادات القواتية أنذاك جهدت أجهزة المخابرات على إبعادهم عن الحكيم بكل أساليب الترهيب والتهديد والترغيب والإغراءات وحتى في تسهيل عودة القوات لكن برأس جديد. يتذكر هنا الوزير سركيس،

 في العام 2000 حصل لقاء وحيد بيني وبين الجنرال فؤاد مالك وبطلب منه لاستمزاج رأيي حول الامور التي وصلت اليها القوات بعد ستة أعوام من اعتقال الحكيم، ومحاولته إقناعي بالانضمام الى التحرك الذي كان يحضّر له مع آخرين.

 بعد أن خيّبت آمال “الجنرال”، قصدني أحد الاصدقاء لينقل الي رغبة مدير المخابرات في الجيش اللبناني العميد ريمون عازار بالتعرف الي. فلبيت الدعوة بحيث استقبلني العميد في مكتبه بحفاوة واحترام منوها بالموقع الاجتماعي والمهني والنضالي الذي أتمتع به. ثم تمنى علي إعطاء الفرصة لفؤاد مالك، الحائز على ثقة “المراجع الرسمية” لكي يقوم بدور جمع شمل القواتيين والانطلاق بحركة حزبية وسياسية شرعية قد توصلني أنا وغيري الى مراكز عليا في الدولة مثل وزير او نائب! أجبت العميد بالاحترام نفسه سائلًا: هل أستطيع نقل هذه الرغبة الى الحكيم الموجود حسب علمي في الطابق السفلي الثالث من هذا المبنى، وأخذ موافقته حول الموضوع المطروح كونه المعني الاول وبالتالي تهون الامور؟

ضحك العميد وأجابني “إنسَ الحكيم بالوقت الحاضر فعليه أحكام، ربما حركة فؤاد مالك ورفاقه قد تسفر عن إنهاء قضيته التي تعملون من اجلها”. فهمت اللعبة وانتهت المقابلة عند هذا الحد.

 كيف دخلت في هذا النضال السياسي وأنت مهندس مسؤول في كبرى شركات المقاولات في لبنان والخليج. ألم تخف على مصالحك المهنية في ظل الإضطهاد والقمع حينذاك؟

يرد سركيس: “دوري الشخصي والمتواضع خلال تلك المرحلة، كان ينصبّ في اتجاهين: الأول ينحصر في متابعة الشؤون القواتية العامة إلى جانب ستريدا وباقي الرفاق، وذلك من خلال مشاركتي المستمرة في الإجتماعات الدورية التي كنا نعقدها كل يوم خميس في بيت يسوع الملك، والتي أصبحت معروفة بإجتماعات الخميس. والاتجاه الثاني هو متابعة وتنسيق النشاطات القواتية في منطقة بيروت وقطاع المهندسين اللذين كنت مسؤولا عنهما.

 بين أعوام المعاناة كان العام 1998 عامًا مفصليًا لحركتنا السياسية والنضالية بسبب الانتخابات البلدية والاختيارية التي جرت في جميع المناطق اللبنانية. فقرّرنا أن تكون مناسبة للتحرّك وإثبات الوجود رغم الحظر القائم، كون هذه الانتخابات ذات الطابع الإنمائي المحلي وليس السياسي، قد تفسح في المجال للقواتيين بالمشاركة الفاعلة فيها ترشيحًا واقتراعًا، وبإعادة إحياء وجودهم الحزبي في بلداتهم وقراهم. وكانت هذه الانتخابات ايضًا أول فرصة متاحة لتقييم شعبية القوات اللبنانية وتعاطف الناس مع قائدها وقضيته، كما قضيتها الوطنية المحقّة. فجاءت النتيجة تفوّقًا للقوات اللبنانية في عدد كبير وغير متوقع من المناطق، أعطتها زخمًا إضافيًا وفرصة للإنطلاق نحو مرحلة جديدة.

أما بالنسبة لي فقد حالفني الحظ بالفوز بعضوية مجلس بلدية بيروت كممثل مُعلن عن القوات اللبنانية، بعد أن ساهم في نتيجتها الكثير من الرفاق وعلى رأسهم السيدة ستريدا. ومع المواقع البلدية والإختيارية الجديدة التي حصل عليها رفاقنا خصوصًا في العاصمة بيروت ترسّخ الشعور لدينا أنه بات للقوات اللبنانية شرعية شعبية تسمح لها بالتحرّك بشكل معلن ولو ضمن الضوابط المعروفة.

بعد بيروت، جاء عام 1999 استحقاق انتخابات نقابة المهندسين التي ينتسب إليها عدد كبير من القواتيين. وبصفتي مسؤولًا عن هذا القطاع المهني، ساهمت مع رفاقي المهندسين في تحقيق فوز كبير ووصول الرفيق عماد واكيم إلى عضوية مجلسها ثم إلى الأمانة العامة، الموقع الذي تبوأه لسنوات عدة. ومنذ ذلك التاريخ إستمر المهندسون القواتيون بتحقيق انتصارات متتالية  في انتخابات نقابتي بيروت والشمال”.

 

لكن هذا الانتصار كلفكم شهيدًا؟

“صحيح فعندما نتحدّث عن المهندسين لا يمكن إلا أن نذكر الرفيق رمزي عيراني الذي جاء استشهاده في العام 2002 ليشكل صدمة لجميع القواتيين، خصوصًا رفاقه المهندسين. الجريمة أعادتنا حينذاك إلى ماضٍ غير بعيد وذكّرتنا بأن استهداف القواتيين الناشطين من قبل النظام القمعي لم يتوقف. ولكنها أعطتنا في المقابل دفعًا أكبر نحو الاستمرار في عملنا والرد على التحدي بالتحدي وبالالتزام وعدم الخوف”.

 

قيل أنك من بين الذين نسجوا خيوط العلاقة بين القوات اللبنانية والرئيس رفيق الحريري، كيف؟

“من خلال الموقعين اللذين مارست فيهما مسؤولياتي الحزبية في تلك المرحلة من تاريخ القوات اللبنانية، وبتوجيهات رفاقي في القيادة الموقتة آنذاك وعلى رأسهم السيدة ستريدا جعجع، أتيحت لي الفرصة لإعادة إحياء العلاقات مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفريقه، باسم القوات اللبنانية، علاقة بدأ طابعها إنتخابيًا بلديًا بيروتيًا ونقابيًا هندسيًا، تحولت بعد ذاك إلى تحالف سياسي عريض بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية وما زالت.

لا شك أن الحركة القواتية في تلك الفترة كانت محفوفة بشتى أنواع المخاطر والصعوبات، وقد بيّنت كم أن الإلتزام الحزبي كان كبيرا بلبنان كوطن وقضية. وبيّنت أن العديد من القوى التي كانت تُصنّف أو تبدو في المقلب الآخر، كانت على استعداد للوقوف إلى جانب قضيتنا المحقّة إدراكًا منها أنها لن تكون في أمان أو في منأى عن مِقصَلة ذاك النظام القمعي التعسفي إذا ما إستمر متماديًا بمشروعه القمعي، وللأسف هذا ما أثبتته الأحداث في ما بعد. كما بيّنت في المقلب الرديف، أن بعض من كان يفترض أن يكونوا قريبين منا انسحبوا إما إلى الظل أو الى المواقع المواجهة. وهذا الأمر وإن كان ظاهرة مألوفة في العمل العام وخصوصًا في الظروف الصعبة، إلا أنه أكد أن تلاقي أصحاب المبادئ مع أصحاب الواقعية السياسية، هو الذي يتكفّل دائما بتحقيق الخطوات الكبيرة والتي لا بد إلا أن توصل في النهاية إلى البناء السليم للأوطان. وأكد أيضًا أن كل الحركات المشوَّشة والمشوِّشة والفطرية لا نصيب لها إلّا الزوال. لذا هم زالوا ويزولون ونحن نبقى… ونستمر.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل