كتبت جنى جبور في “المسيرة” – العدد 1422:

من الشمال إلى الجنوب، على كل شبر من أرض لبنان حيث وجد خطر على وجودنا المسيحي وعلى ارضنا المقدسة كانت “القوات اللبنانية” بالمرصاد. في درب السيم على تخوم مخيمي عين الحلوة والمية ومية كانت مواجهات صعبة ومعارك شرسة.
يعود “ستيف” أحد عناصر الوحدة الخاصة إلى 10 نيسان 1985 ليقول: “تأسست الوحدة الخاصة في أوائل 1984، بناء لطلب قيادة الأركان في “القوات اللبنانية”. خضعت هذه الوحدة لتدريبات برمائية، وكان من مهامها المشاركة في القتال خلف خطوط العدو. كانت تدريباتها قاسية جداً، والعناصر الذين تخطوا هذه التدريبات عرفوا بالمميّزين.
10 نيسان 1985 كنا في الثكنة قرب الحوض الخامس في بيروت، أتتنا معلومات عن محاولة الفلسطينيين توسيع مناطق نفوذهم وانتشارهم خارج مخيماتهم في عين الحلوة والمية ومية.
إثر ذلك انطلقنا بحراً بواسطة الطراد العسكري وصولاً إلى مرفأ الجية حيث توجهنا بواسطة ملالات “m113” إلى درب السيم في شرق صيدا، التي تحدها مغدوشة شمالاً ويحيطها المخيمان.
كنا مجموعة مؤلفة من حوالى 30 عنصراً: جهاد أبي رميا، رفيق سعادة، فرانسوا عساكر، جوزف مجاهد، جوزف اسطفان، جوزف روحان، جوزف غانم، جورج شللو، أندريه عبيد، روجيه حبيب، علي أمين، أسامة رزق، جاك القدوم، طوني نقولا، إيلي دنها، إلياس مارون، إلياس سكر، يوسف سكر، طعان سكر، طنوس سكر، باسيل سكر، وليم نعمة، طوني أبي سمرة، طوني مطانيوس، طوني حبيب، بشير هيكل، هاروت وموريس تكيان، شارل تكيان، عزيز عساف، إيلي سعادة وألفريد معوض.
كانت قد سبقتنا مجموعة بقيادة “ماكس” ومجموعة بقاعكفرا بقيادة جبران مخلوف، استلمنا عنهم وإنتقلوا بدورهم إلى مناطق محيطة بدرب السيم.
تقع درب السيم في وادٍ جنوب سيدة مغدوشة. وتحيط بها بساتين موز وليمون وأكي دنيا. كنا نتقدم سيراً عبر الإنحدارات القاسية ونقاتل الفلسطينيين وجهاً لوجه.
بعد سقوط جرحى من رفاقنا، قررنا أن نشق طريقاً من درب السيم صعوداً لنتمكن من إيصال ملالاتنا إلى فوق. أتينا بجرافة لشق الطريق، وبينما كان سائق الجرافة ينفذ المهمة حامياً نفسه بشفرة هذه الآلية، كنت أنا وبعض الرفاق نتقدم معه لحمايته ولتوجيه إتجاه الحفر. لكن للأسف، أصابت رصاصة العدو الرفيق ألفريد معوض في رأسه مما أدى إلى إستشهاده فوراً.
المعركة كانت قاسية. فالفلسطينيون كانوا مدربين جدًا. كنا بين المخيمين. خط الامدادات كان صعباً. 300 م خط نار. كنا مكشوفين، الأمر الذي حدّ من تحركاتنا نهاراً، وكنا ننتظر الليل لحفر الخنادق وبناء المتاريس. المعركة كانت صعبة والقتال كان أصعب إزاء التلاصق الذي كان بيننا وبين الفلسطينيين. فالمسافات التي كانت تفصلنا عنهم عند الإشتباك كانت بمثابة الـ7 أمتار أحياناً.
عندما وصلنا إلى المنطقة، كان قائد الثكنة في طريقه لإستطلاع بناية موجودة على أطراف مخيم عين الحلوة، وكان معه رفيق سعادة وأندريه عبيد. التقوا بمجموعة من الفلسطينيين على الدرج، فدارت اشتباكات ما أدى إلى إصابة الرفاق الثلاثة. تمكنا من سحب أندريه ورفيق من دون قائد الثكنة الذي كان محاصرًا من قبل الفلسطينيين، فظننا أنه استشهد. جهزت مجموعة وتوجهنا لسحبه، وتفاجأنا أنه ما زال حياً وراح يصرخ لنا أنه لم يمت، وتمكنا من سحبه.
بعد يومين استشهد يوسف سكر وكان شقيقه إلياس معنا في الجبهة. هذه هي “القوات اللبنانية”.

12 من رفاقنا أصيبوا أيضاً في هذه الاشتباكات، لكنهم عولجوا في المستوصف إذ لم يكن بإمكاننا التخلي عنهم بسبب إحتدام المعارك وقلة عددنا. بقينا 20 يومًا من دون أي بدل بسبب تصعيب الإسرائيليين لتنقلاتنا ومنع رفاقنا من الوصول إلى شرق صيدا.
بعد إصابة قائد الوحدة الخاصة ايلي سعادة الملقب بـ “المشكل”، استلمت أنا الجبهة وأصبح هو في الخطوط الخلفية. قمنا بهجوم على جبل الحليب في المنطقة المعروفة بتلة سيروب. صعدنا من محور جزين وتمكنا من القضاء على العدو بأسلحتنا الفردية والمتوسطة مثل الـb7 والماغ.
احتلينا الموقع وأخذناه مركزاً لنا، تواصلنا مع إيلي سعادة، وقال لنا: أوامر ما في، انسحبوا إلى مواقعكم”، بسبب تضييق الإسرائيليين علينا، لم نتمكن من تأمين تغطية مدفعية حتى أن ذخيرة الـB7 كانت تصل إلينا من دون “حشوة” ما أجبرنا على تنظيم إطلاق نيراننا، للمحافظة على ذخيرتنا.
انسحبنا إثر هذه الأوامر إلى موقعنا، ونقلنا إلى القيادة أن تمركزنا خطير من دون أي تغطية، وخط الرجوع صعب، وطريق امداداتنا غير نافذ، وأن جرحانا لا نستطيع نقلهم. لكن الأوامر لم تتغير وطلب منا الإستقرار في مواقعنا وحمايتها.
أذكر مرةً كانت جرافة فلسطينية تنشئ الدشم وتحفر الخنادق على أطراف مخيم عين الحلوة، شمال ضهور درب السيم، فتسللت بمفردي لوقف هذا العمل. اقتربت
مسافة 150 متراً منها وعالجتها بقذيفة B7 وعطلتها عندها انفتحت النيران باتجاهي لكن تمكنت من التراجع. لكنني عدت وأصبت في هذه المعركة. كنت موجوداً في متراس في ضهور درب السيم، عندما أصابتني شظية في صدري. لكنني بقيت في أرض المعركة وأكملت المعركة.
كانت المعركة صعبة جداً بسبب الحصار الإسرائيلي وعدد الجرحى وعدم تأمين البدل. بقينا 20 يوماً بالثياب نفسها من دون التمكن حتى من الإستحمام، الأمر الذي دفع المجموعتين اللتين سبقتانا بقيادة ماكس وجبران مخلوف إلى التقدم من جوار درب السيم حيث تمركزوا لتأمين البدل لنا، قبل 5 أيام من إنتهاء المعركة.
ولن ننسى طبعاً جهود أهالي درب السيم الذين كانوا بمثابة أهل لنا، وأولادهم كانوا يشاركون إلى جانبنا بأسلحتهم الفردية عبارة عن الكلاشن وm16، كما قدموا لنا البيوت الذي اتخذنا منها مراكز، إلى جانب الأمور اللوجستية التي أمنوها لنا أيضاً.
بالرغم من كل هذه الصعوبات تمكنا بعزيمتنا من أن نحافظ على المنطقة ومنع الفلسطينيين من توسيع مناطق انتشارهم، حتى صدر قرار الإنسحاب وإستلام الجيش اللبناني كل منطقة شرق صيدا. عندها انسحبنا بواسطة البواخر وصولاً إلى بيروت، تاركين المهمة للجيش.
بعد أسبوع إنسحب الجيش اللبناني بدوره. خرج الفلسطينيون من المخيمات واحتلوا المنطقة.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.